
في عيد الحب.. لماذا يبدو ترامب أكثر تأثيراً من جون لينون؟
عامر الطيب
عامر الطيب /شاعر عراقي
يرسل أحدهم كتاباً إلى والده كتاب بغلاف مزركش وطوية ملفتةٍ على أن الوالد حالما يقع بصره على الغلاف حتى يعلن رأيه دون تصفح:
"إنه كتاب قصصي للأطفال وليس لي" "للأطفال وليس لنا" يعيد العبارة ليسمع من بجواره.
على الأقل هذا ما يعتريني حين أمر على كتاب يندرج ضمن كتب الحب، يحكي قصصا أو يعرض هموما يتخللها شيء من الشعور باللطف.
الحب تلك اللفتة الكونية التي أشبعها البشر تحليلا و تفسيراً و أحالوا إليها اختراع الفنون و تطويرها أيضا، العقيدة التي آمن بها شعراء وهاموا في الصحاوى و شكك بها آخرون و اعتزلوا الحياة.
أن تحب فجأة فتكتشف إنها ظهيرة تأريخية وإن الام تعدٍ الغداء ثم تزعم إنك ستاكل أصابعك وأنت تفعل ذلك ندماً لا شهية.
أن تحب فتتذكر أنك تعيش طفولة سعيدة، إنك تطارد بالونا زهريا دون أن تنتبه للطريق، أن يعلق البالون بأغصان شجرة باسقة ، وأن تقع.
أن تعيد تعريف بعض الكلمات، أن تجري حوارا مطولا مع إنسان ثان، إنسان لم يكن تشعر معه بالألفة لم تكن تشبهه.
أن تكتب متصوراً أن الكتابة تسير وفق ما تخطط له ثم يصدمك إنك كتبت المزيد من الأشياء الأشد عفوية و سذاجة، أن توقع بيانا نهائيا بالبراءة من قصائدك القديمة، من كل عبارة حشرتها بمظروف ورقي ليس لأن الحبيبات لم يكن يستحقن بل لأن العاطفة لم تنتج صنعاً ذا قيمة، شيء مواز لجلال المرأة و قدرتها على إشعال الأثر.
ما الذي يقصده المرء بكلمة حب؟ لا يهمني الآن ما قاله الفلاسفة و نظر له النقاد اللغويون و رسخه الشعراء و صنع منه السينمائيون أفلاماً لا تنسى، أريد أن تمس الكلمة شعورا حميماً، أن تدفئ منطقة في الجلد، أن تريح الجسد لثوان معدودة.
لا شأن لي بالاحصائيات التي تثبت لي أن الحب ساعد أناسا بتحاوز الأزمات و الأمراض أو جعلهم أكثر سعادة، على الأغلب كان المسؤولين عن الإحصائيات حمقى أو مرضى.
لا أريد من يخصص وقته لإضفاء قيمة ساحرة على رسالة حبيبة أو لمسة او قبلة، أريد الجزء المعتم من كل ذلك، أريد من يوحز لي الألم، من يخلصُ قصة طويلة من أظفار وحش ما .
أريد من يؤشر بإصبعه على مكان الحب من العالم، أهو في المركز أم في الهامش؟ هل تفكر الشعوب، الدول، المؤسسات فعلاً بالحب أم أنه محض شعور فردي لأشخاص هامشيين؟
أجزم إنه كذلك و إلا لماذا ينشغل الناس بقبلة بين فنان و شريكته في الدور و يهاجمون قبلة مماثلة لفلاح عفوي أو عناق عفوي في الشارع؟
و إلا لماذا لا يحب الأمريكان الشعوب كما يحبون أنفسهم ولماذا يبدو ترامب أكثر تأثيراً حتى من جون لينون؟.
في هامش عمال المناجم يوجد وقت للحديث عن العائلة أو عن التعب، في هامش متسلقي الجبال يوجد هامش مخصص للحديث عن النجوم، في هامش اللصوص أيضا يوجد وقت للحديث عن البدع الإنسانية في تمييز الملكية الشخصية عن ملكية الآخرين، في هامش القوادين يوجد وقت للحديث عن النبل، في هامش الجميع يوجد وقت يمكن اعتباره وقت المعالجة الحيوية لما تفعله القدمان، لما تصنعه اليد الواحدة، لما يقترفه الفم أو تمررهُ العين دون إغماضة، في هامش العشاق يوجد وقت كاف لتبرير الألم.
و بالعودة للبدء فإن أول ما يكتبُ الشاعر يكتبُ عن الحب و أسوأ ما يكتبه هو ذلك فإذا استعاد التاريخ سيجد أن كل شيء لم يكن يستحق، لا اللحظة ولا اللغة ولا الرهان مع الموهبة.
يصادف فتى الشارع صبية تبتسم له فيظن أن ذلك هو الحب ثم يبدأ بالدوران حول تأويل الأغنيات التي يسمعها فيزداد اقتناعاً بأنه مخلوق ليثير انتباه أي أنثى تتأمله.
الثقافة العالمية تساهم بصناعة ذيول و أجنحة و أفواه للحب، الحب دون كل ذلك فم حيواني صغير يرتحف عند كل قبلة.
ساهمت الأغاني بجعل البشر يصدقون أي شيء القمر على الباب و الصباح يبدأ حسب الرغبة و الأرض تتوقف عن الدوران و العصفور الدوري ينقل أخبار المحبين و الريح تعوي كرمال وداع شخصين مأزومين.
ساهمت الأغنيات بجعل البشر لطفاء و أغبياء بالمرة، أنستهم الكارثة التي ستحل حين يحد المرء نفسه أبا أو هرما وحيدا لا يسانده أبدا غير ظلاله ولا تسعفه غير الروح التي لم يكن يلقي لها بالا أو لعله لم يكن يؤمن بوجودها.
ساهمت الموهبة أيضا بجعل المرء مغروراً بأن النساء قد يعشقنه من أجلها وراح يكتب القصيدة تلو الأخرى دون تحقيق أو تدقيق معتقدا أنه بذلك يصنع تاريخاً لكنه تاريخ الإيهام الإنساني الذي لا ينتفع منه القارئ أو الشاعر اليقظ لاحقاً أو الشعر نفسه.
وعليه ينبغي أن أكتب بياني بنفسي ويكتب أي أحد منا بيانه بنفسه مع حلول تلك المناسبة في شتاء مرير يشعر به البشر في أماكن عديدة من العالم إنهم بحاجة الدفء الإنساني أكثر من حاجتهم لقطط أو دببة لكلمات لامعة لو أشياء .
البيان :
" أعلن أنا الموقع أدناه بالبراءة من كل ما كتبته على مدى عشر سنوات عن حب امرأة إذا كان بقصد أو استمالة ،إذا كنت أعنيه أو كنت أولفهُ للمجاراة، إذا كان برأيي جيدا أو ساذجاً، أعلن الآن انحيازي للحقيقة لا للزيف، للبحث عن العلل لا لتضخيم صور الجمال، انحيازي للتدقيق بوجوه البشر لا تتبع آثارها، أعلن أن الأغنيات المفضلة لم تعد هي ذاتها، الأدب العتيق لم تعد له أهمية، العبثية أكثر شرفا من الرومانسية، مسخ كافكا أشد نبلاً من كارنينا توليستوي و مرسو كامي أصدق من مدام بوفاري و أعمى المعرة أكثر وضوحاً من شعراء بني عذرة برمتهم.
وعلى هذا البيان وقعتُ بصفتي كاتباً و إنساناً لا يحق لي بأية حال من الأحوال التضحية بموهبتي من أجل إنشاء عاطفي قد يثير أدنى شعور بالحنان من قبل امرأة في الوقت الذي أجزم فيه أن تراجعي عن البيان أعلاه مجرد مسألة وقت لا أكثر.!
ارسال التعليق