العراق وثقافته.. إلى أين؟!
شوقي كريم حسن
كاتب | عراقي
"أتعلمُ أم أنتَ لا تعلمُ
بأنَّ جراحَ الضحايا فمُ"
لم يعد الخراب في العراق خرابةَ حجرٍ فقط، بل خرابةَ معنى. البلد الذي صدّر الشعر والفلسفة والأسئلة الكبرى، صار يستهلك التفاهة بسرعةٍ مرعبة، حتى بدا المثقف العراقي كأنه بقايا زمنٍ منسي، أو سلعة منتهية الصلاحية تُرمى في آخر رفوف الحياة.
في هذا العراق، لم تعد الثقافةضرورة، بل ترفًا مشبوهًا. الشاعر يُجَوَّع، الكاتب يُهمَّش، الفنان يُهان، والجاهل يتصدر المنابر محمولًا على أكتاف الضجيج والمال والولاءات الرخيصة. كيف تحولت البلاد التي أنجبت الجواهري السياب الملائكة، جواد سليم وفرمان وداخل حسن، وعفيفة إسكندر ومدني صالح وفؤاد التكرلي ومصطفى جواد وعلي جواد الطاهر، إلى ساحةٍ لا يُسمع فيها إلا صراخ الطوائف وتجار الخراب؟!
المثقف العراقي اليوم لا يُحارب لأنه أخطأ، بل لأنه ما زال يحاول التفكير. لأن التفكير في بلاد الخراب جريمة، صار المطلوب من الثقافة أن تكون مطيعة، دون أسنان، دون غضب، وبلا موقف. لقد جرى تدجين الوعي العام ببطءٍ مرعب… الكتاب مهمل، المسرح يحتضر، السينما غائبة، الصحافة الثقافية تلفظ أنفاسها، والمقاهي التي كانت تُشعل النقاشات الكبرى تحولت إلى أماكن صامتة يعلو فيها دخان الفراغ أكثر من صوت الأسئلة.
العراق لا يخسر مثقفيه فقط، بل يخسر ذاكرته. وحين تفقد الأمم ذاكرتها، تصبح شعوبًا قابلة للبيع، وإعادة التدوير، والتصفيق لأي جلاد.
إن السؤال لم يعد: أين الثقافة العراقية؟! بل: هل ما زال العراق يريد ثقافة أصلًا؟! وهل بقي للمثقف مكان في وطنٍ يصفق للضجيج ويخاف من الكلمة الحرة؟! لا نرثي الثقافة العراقية فقط، بل نصرخ بدوي ضد مدوية زمنٍ جعل من المثقف شاهدة قبر، ومن الثقافة جثةً مؤجلة الدفن!!
الكارثة الأكبر ليست في موت الثقافة وحدها، بل في أعتياد الناس على موتها.فالخراب الحقيقي يبدأ حين يصبح غياب الكتاب أمرًا طبيعيًا، وحين يُنظر إلى المثقف بوصفه كائنًا زائدًا عن الحاجة، لا وظيفة له سوى التذمر أو اجترار الماضي. لقد أُعيد تشكيل الوعي العراقي خلال العقود الأخيرة بطريقة قاسية ومنهجية؛ الحروب الطويلة، الحصار، الاحتلال، الطائفية، الفساد، الإعلام الموجَّه، جميعها لم تكتفِ بتدمير البنية التحتية للدولة، بل دمّرت البنية الروحية للعراقي. وحين يُستنزف الإنسان يوميًا في البحث عن الكهرباء والماء والراتب والأمان، تصبح الثقافة آخر ما يفكر فيه، وربما أول ما يضحي به.. وهكذا، تراجع المثقف إلى الهامش، لا لأنه أقل قيمة، بل لأن السوق الجديدة لا تحتاجه.السوق تريد المؤثر لا المفكر، والخطيب لا الفيلسوف، والضجيج لا الرؤية.
أصبح النجاح يُقاس بعدد المتابعين لا بعدد الأفكار، وأصبحت الكلمة العميقة عاجزة أمام فيديو عابر أو خطاب شعبوي فارغ. إن أخطر ما حدث في العراق هو تحويل الثقافة من مشروع وعي إلى مشروع استهلاك.
صار الكتاب يُطبع دونما قرّاء، والندوات تُقام دون أثر، والجامعات تُخرّج آلاف الشهادات دون أ نتاج عقلًا نقديًا واحدًا قادرًا على مساءلة الخراب. حتى المثقف لم ينجُ دائمًا من السقوط. فبعضهم إستبدل دوره التاريخي بالبحث عن رضا السلطة أو التمويل أو الشهرة السهلة، فتحولت الثقافة أحيانًا إلى وظيفة بيروقراطية باردة، لا إلى موقف أخلاقي أو فعل مقاومة.ومع ذلك، فإن إعلان موت الثقافة العراقية نهائيًا سيكون كذبة أخرى.فهذا البلد، الذي نجا من الغزوات والحرائق والديكتاتوريات، ما زال يُنتج شعراء وكتّابًا ورسّامين ومسرحيين يقاتلون بصمت، كأنهم حرّاس النار الأخيرة. الثقافة العراقية اليوم ليست ميتة، لكنها محاصَرة.
ومشكلة العراق ليست في غياب العقول، إنما في غياب الدولة التي تؤمن بالعقل، وغياب المجتمع الذي يحمي أصواته الحرة. إن الأمم لا تُقاس بعدد أبراجها ومشاريعها فقط، بل بقدرتها على إنتاج المعنى.وحين يصبح المثقف جائعًا وخائفًا ومهمشًا، فإن الوطن يتحول إلى مساحة دونما روح، مهما ارتفعت فيه الشعارات.لهذا، فإن إنقاذ الثقافة العراقية ليس شأنًا نخبويًا، بل قضية بقاء. لأن الثقافة ليست ترفًا… إنها الشيء الوحيد الذي يمنع الإنسان من التحول إلى آلة خوف، أو كائن استهلاكي يعيش دون ذاكرة، دون سؤال، وزونما مستقبل.

ارسال التعليق