وزارةٌ بلا روح... حين تتحول الثقافة إلى غنيمة

حسين السياب 
شاعر وكاتب | عراقي

 


في كلِّ مرةٍ يقترب فيها موعد تشكيل حكومةٍ جديدة في العراق، يبدو المشهد وكأنه إعادةٌ بطيئةٌ لمسرحيةٍ حزينةٍ يعرف الجمهور نهايتها مسبقاً. الوجوه ذاتها، الخطابات ذاتها، والصفقات ذاتها التي تُعقد خلف الأبواب الثقيلة، بينما يقف الوطن عند النافذة مثل طفلٍ يتيمٍ ينتظر أباً لن يعود.
ثلاثةٌ وعشرون عاماً مرت، وما تزال البلاد تُدار بعقلية الغنيمة، لا بعقلية الدولة. الوزارات تُقسَّم كما تُقسَّم خرائط النفوذ، بوصفها حصصاً سياسية تُرضي هذا الحزب أو ذاك التيار. وفي خضم هذا الخراب المنهجي، كانت الثقافة دائماً الضحية الأكثر صمتاً.
وزارة الثقافة في العراق ليست دائرةً هامشية يمكن إلحاقها بمائدة المحاصصة دون خسائر. إنها الذاكرة التي تحفظ البلاد من النسيان، والنافذة التي يتنفس منها العراقي وسط هذا الركام الروحي الهائل. وحين تُسلَّم الثقافة إلى من لا يؤمن بها، تتحول الوزارة إلى غرفةٍ معتمةٍ تُكدَّس فيها الملفات، بدل أن تكون منارةً تصنع الوعي والجمال والأسئلة الكبرى.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الأحزاب التي أمسكت بزمام السلطة لم تنظر إلى الثقافة بوصفها مشروعاً وطنياً، بل تعاملت معها كزينةٍ بروتوكولية لا أكثر.
إنّ أخطر ما يمكن أن يحدث لأي بلد، ليس انهيار اقتصاده فقط، بل انهيار خياله أيضاً. فالأمم التي تفقد ثقافتها، تفقد قدرتها على الحلم، وحين يموت الحلم يتحول الإنسان إلى كائنٍ منهكٍ يعيش بلا معنى.
من هنا، تبدو المطالبة بإبعاد وزارة الثقافة عن لعبة المحاصصة مطلباً أخلاقياً ووطنياً قبل أن يكون مطلباً مهنياً. فهذه الوزارة يجب أن تُمنح لشخصيةٍ ثقافية مستقلة، تمتلك مشروعاً حقيقياً لإنقاذ المشهد الثقافي، وليس لشخصيةٍ جاءت نتيجة تسويةٍ حزبية أو توازنٍ طائفي.
العراق لا تنقصه الكفاءات الثقافية والإدارية. في اتحادات الأدباء، وفي المسارح، وفي الجامعات، وفي المؤسسات والمنظمات الثقافية والفنية، أسماء كثيرة تمتلك الخبرة والرؤية والنزاهة. شخصيات تعرف معنى أن تكون الثقافة فعل مقاومة ضد القبح والجهل والتطرف، وليس مجرد منصبٍ يُضاف إلى سجلّ المحاصصة الطويل.
إن المثقف الحقيقي لا يحمل حقيبة وزارة فقط، بل يحمل وطناً كاملاً على كتفه. يعرف أن القصيدة يمكن أن تكون أكثر تأثيراً من خطابٍ سياسي، وأن المسرح يستطيع أن يهزم العنف، وأنّ الكتاب قد ينقذ جيلاً كاملاً من السقوط في العتمة.
العراق اليوم لا يحتاج إلى وزير ثقافةٍ يتقن لغة المؤتمرات والصور الرسمية، وإنما يحتاج إلى روحٍ تؤمن بأن الثقافة آخر ما تبقّى لإنقاذ هذا البلد من الخراب الداخلي. يحتاج إلى شخصيةٍ ترى في الطفل العراقي مشروع شاعر أو رسام أو موسيقي، لا رقماً زائداً في خرائط الفقر والحروب.
لقد أرهقت السياسة العراق بما يكفي. وحان الوقت لكي تُترك الثقافة بعيداً عن أيدي الذين أفسدوا المعنى، وأتعبوا البلاد، وحولوا المناصب إلى مزارع نفوذ.
فربما تكون النجاة الأخيرة لهذا الوطن... قصيدة.

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق