العالم رغم قسوته ما زال قابلاً للمحبّة
قاسم سامح /شاعر وفنان تشكيلي مصري
في البدايات، كان المرء يظنّ أنّ الكتابة معركة ينبغي الخروج منها بجسدٍ مليء بالخدوش. كلّ اعتراض يبدو شهادةً خفيّة على الوجود، وكلّ خصومة تُشعر الكاتب بأنّ كلماته استطاعت أن تزعج أحداً، وأنّها بلغت من الحياة ما يجعلها قابلة للنفور مثلما هي قابلة للإعجاب. لذلك كان بعض الكتّاب يربّون حساسيتهم داخل المناخات العدائيّة، كأنّ الكراهية نوعٌ من الاعتراف المؤجّل، أو كأنّها الوجه الآخر للانتباه.
في المدن التي كانت الثقافة فيها حدثاً يوميّاً، لم تكن العلاقات الأدبيّة هادئة. المقاهي تضجّ بالثرثرة، والمجلّات تتحوّل إلى ساحات مبارزة، والقصائد تُقرأ أحياناً بروح التحدّي أكثر مما تُقرأ بروح الجمال. كان الجميع يريد أن يكون الصوت الأكثر فرادة، والأكثر حضوراً، والأكثر قدرة على اختراع لغته الخاصة. مناخ كهذا يصنع أدباً حيّاً، لكنه يترك في الأرواح قدراً كبيراً من المشقة والتعاسة. فالموهبة لا تشتعل وحدها؛ يرافقها دائماً خوف خافت من النسيان، ومن أن يسبقك آخر إلى الضوء.
ومع السنوات، يكتشف الكاتب أنّه أرهق نفسه أكثر مما ينبغي. يكتشف أنّ العداوة الطويلة تُفسد الروح، وأنّ التصفيق الصادق أدفأ من كلّ انتصار صغير يتحقّق داخل خصومة. يحدث التحوّل بهدوء: يبدأ الإنسان في البحث عن الوجوه التي تمنحه الطمأنينة لا التوتّر، وعن الكلمات التي تسنده لا تلك التي تدفعه إلى المزيد من التصلّب. يصبح الحبّ حاجة متأخرة، لكنه حاجة عميقة، كأنّ العمر كلّه كان تدريباً على الوصول إليها.
ثمة أشخاص يدخلون حياتنا فنشعر أنّهم يضيفون إلى العالم مناخاً كاملاً. حضورهم لا يُختصر في الموهبة وحدها، ولكن في الطريقة التي يجعلون الآخرين يشعرون بها تجاه أنفسهم. بعضهم يمتلك قدرة نادرة على منحك الثقة دون أن يقول ذلك مباشرة، يكفي أن ينظر إليك بعين مطمئنّة، أو أن يقرأ نصّك باهتمام حقيقي، حتى تشعر أنّك أقلّ وحدة في هذا العالم.
والكتّاب الكبار، على وجه الخصوص، يتركون أثراً مربكاً فيمن يقترب منهم. فالمسافة بينهم وبين صورتهم العامّة تجعل التعامل معهم شاقّاً أحياناً. الإنسان يجلس أمامهم وهو يشعر أنّه يعرفهم منذ زمن، وفي الوقت نفسه يخاف أن ينكشف ارتباكه. هناك نجوميّة تصنع حاجزاً خفيّاً، حتى لو كان صاحبها بالغ اللطف. وربما لهذا السبب يعجز كثيرون عن التعبير عمّا يكنّونه من محبّة وإعجاب لمن أحبّوهم حقاً. يظنون دائماً أنّ الوقت ما يزال متاحاً، وأنّ الكلمات يمكن تأجيلها، قبل أن يكتشفوا متأخرين أنّ المشاعر التي لا يعلنها المرء تتلاشى سريعاً، كأنها لم تكن.
ولهذا تحديداً، تتقدّم مع العمر رغبة أخرى أكثر إلحاحاً: أن نكتب عن الذين أحببناهم قبل أن يختفوا، أو قبل أن نختفي نحن. أن نقول لهم ما فعلوه في أرواحنا، كيف غيّروا مزاج أيّامنا، وكيف جعلوا العالم أقلّ قسوة وأكثر احتمالاً. فالتأجيل خديعة بارعة، والحياة تملك دائماً سرعةً تفوق استعدادنا العاطفي. كم من شخصٍ ظننّا أنّه سيبقى قريباً إلى الأبد، ثم صار فجأة ذكرى بعيدة، أو صورة في درج، أو صوتاً لا يعود.
أقسى ما يتركه الغياب في النفس ذلك الإحساس بأنّ المرء قصّر في الاعتراف. نتذكّر الوجوه بعد رحيلها فنشعر أنّنا كنّا أكثر فقراً عاطفيّاً مما ينبغي، وأنّ الكبرياء الصغير الذي كنّا نحمله حرمنا من جملة بسيطة كان يمكن أن تمنح شخصاً آخر سعادة كاملة. عندها يتحوّل التذكّر إلى نوع من تأنيب النفس، ويغدو القلب مكاناً مزدحماً بالندم الرقيق.
ثمّة بشر يمرّون في حياتنا مثل فصل ربيع طويل. عندما نستعيدهم لا نتذكّر الوقائع بقدر ما نتذكّر الضوء الذي كان يحيط بهم. نتذكّر دفء المجالس، وخفّة الضحك، والطريقة التي كانت الحياة تبدو بها أقلّ قسوة أثناء وجودهم. هؤلاء لا يرحلون تماماً؛ يبقون في أعماقنا وضمائرنا بوصفهم إحساساً، لا سيرةً ولا حكاية.
ولعلّ أجمل ما يمكن أن يبلغه الإنسان في آخر المطاف أن يتخفّف من حاجته إلى الانتصار، وأن يكتفي بقدرته على المحبّة الواضحة. فالنقاء العاطفي ليس فضيلة أخلاقيّة فقط، لكنه شكل من أشكال الشجاعة أيضاً. أن تقول لمن تحبّه إنك ممتنّ له، أن تعترف بتأثيره عليك دون مواربة، أن تمنح الآخرين دفئاً لا ينتظر مقابلاً؛ تلك كلّها أفعال تحتاج روحاً نضجت بما يكفي كي تفهم أنّ الحياة أقصر من نحياها أسرى التحفّظ الدائم.
وكلّما تقدّم العمر، بدا واضحاً أنّ ما يبقى من الناس ليس ضجيجهم، ولا معاركهم الصغيرة، ولا انتصاراتهم العابرة. ما يبقى حقاً هو مقدار الحنان الذي وزّعوه حولهم، والطريقة التي جعلوا بها الآخرين يشعرون بأنّ العالم، رغم قسوته، ما زال قابلاً للمحبّة.

ارسال التعليق