المجاملات الأدبيّةُ والاستعراضُ النقديّ الزائف: حرفةُ صناعةِ الوهمِ
د. عبد الكريم الحلو
ناقد وأكاديمي | عراقي
المقدّمة:
ليستِ الكلماتُ دائمًا مرايا للحقيقة، فبعضُ التصفيقِ ضجيج، وبعضُ المديحِ قناعٌ أنيقٌ، يخفي خواءَ القراءة.
في زمنٍ صارَ فيهِ الانبهارُ أسرعَ من التأمّل، والإطراءُ أسهلَ من النقد، توارى النصُّ الحقيقيُّ خلفَ دخانِ المجاملات، حتى غدا الكاتبُ يسمعُ صدى نفسِه
أكثرَ ممّا يسمعُ صوتَ الحقيقة.
هناكَ من يزرعُ وردَ الكلماتِ فوقَ النصوص، لا حبًّا بها، بل خوفًا من خسارةِ الودِّ،
وهناكَ من يرتدي عباءةَ النقدِ ليمارسَ استعراضَ الألقابِ قبلَ أن يقرأَ السطرَ الأوّل.
وبينَ هذا وذاك، يبقى الأدبُ الحقيقيُّ وحيداً يبحثُ عن قارئٍ نزيه لا يُصفّقُ كثيراً، لكنّهُ يرى بعمق.
في المشهدِ الأدبيِّ العربيِّ المعاصر:
لم تعدِ المجاملةُ مجرّدَ سلوكٍ اجتماعيٍّ عابرٍ يندرجُ ضمنَ اللياقةِ الإنسانيّة، بل أخذتْ تتحوّلُ تدريجيًّا إلى ظاهرةٍ ثقافيّةٍ تؤثّرُ بصورةٍ مباشرةٍ في طبيعةِ التلقّي، وفي مسارِ الإبداعِ نفسه.
فما كان يُنظرُ إليه بوصفهِ تهذيبًا للعلاقاتِ بينَ الكتّابِ والمثقفين، أصبحَ في كثيرٍ من الأحيانِ أداةً لإنتاجِ الوهمِ الجماليّ، وإعادةِ تدويرِ النصوصِ الضعيفةِ داخلَ فضاءِ الاحتفاءِ المجانيّ.
إنَّ أخطرَ ما في المجاملةِ الأدبيّةِ حينَ تنفلتُ من حدودِها الأخلاقيّة، أنّها تمنحُ الكاتبَ شعورًا زائفًا بالاكتفاء، فيفقدُ تدريجيًّا حاجتَهُ إلى التطوّرِ والمراجعةِ والنقدِ الذاتي.
فالكاتبُ الذي لا يسمعُ سوى التصفيق، سرعانَ ما يقعُ في ما يمكنُ تسميتُه بـِ «العمى الفنّي»، إذْ يرى نصوصَهُ مكتملةً وخاليةً من الشقوق، بينما الحقيقةُ الجماليّةُ تبقى مطمورةً تحتَ ركامِ المديحِ الجاهزِ والانطباعاتِ السريعة.
أولًا:
المجاملةُ بوصفها تضليلًا جماليًّا:
لقد غابَ النقدُ بوصفهِ «فعلَ محبّةٍ معرفيّة»، وحلّتْ محلَّهُ ثقافةُ الإطراءِ السريعِ التي تُنتجُ نوعًا من التواطؤِ الجماليِّ بينَ الكاتبِ والمتلقّي.
فبدلَ أنْ يكونَ الناقدُ شريكًا في تطويرِ التجربةِ الإبداعيّة، تحوّلَ في كثيرٍ من الأحيانِ إلى مجرّدِ «مصفّقٍ ثقافيّ»، يخشى قولَ الحقيقةِ كي لا يُتَّهمَ بالقسوةِ أو التعالي أو الحسد.
ومن هنا، برزت أزمةٌ حقيقيّةٌ في بنيةِ الخطابِ الأدبيِّ العربي، حيثُ أصبحتْ بعضُ المنابرِ الثقافيّةِ فضاءاتٍ لتبادلِ الثناءِ أكثرَ من كونِها منصّاتٍ للحوارِ النقديِّ الرصين.
فالألقابُ تُمنحُ بسهولة، والانبهارُ يُعلَنُ قبلَ القراءةِ العميقة، والنصوصُ تُحتفى بها أحيانًا لا لقيمتِها الفنيّة، بل لشبكةِ العلاقاتِ الاجتماعيّةِ التي تحيطُ بها.
إنَّ هذه الظاهرةَ يمكنُ توصيفُها نقديًّا بمصطلحِ «التضليلِ الجماليّ»، أي خلقُ صورةٍ وهميّةٍ عن جودةِ النصِّ عبرَ تراكمِ المجاملات، الأمرُ الذي يُربكُ الذائقةَ العامّة، ويُضعفُ المعاييرَ النقديّة، ويجعلُ المتلقّي عاجزًا عن التمييزِ بينَ النصِّ الحقيقيِّ والنصِّ المصنوعِ بالتصفيق.
ثانيًا:
النقدُ الاستعراضيُّ وأزمةُ الألقاب:
ولم تقفِ الأزمةُ عند حدودِ المجاملةِ التقليديّة، بل ظهرتْ فئةٌ أخرى تُمارسُ ما يمكنُ تسميتُه بـِ «النقدِ الاستعراضي»، حيثُ يتحوّلُ بعضُ الأدعياءِ إلى موزّعي ألقابٍ وأحكامٍ جاهزةٍ تُسبقُ القراءةَ الحقيقيّةَ للنصوص.
فنجدُ بعضَهم يهبطُ إلى ساحةِ الأدبِ محمّلًا بسلسلةٍ طويلةٍ من الصفاتِ والألقابِ التي يضعُها قبلَ اسمِه، ثمّ يوزّعُ عباراتِ الإبهارِ والانبهارِ بصورةٍ آليّة، دونَ أنْ يتوغّلَ فعلًا في بنيةِ القصيدةِ أو السردِ أو المقال.
وفي أحيانٍ كثيرة، يتحوّلُ التعليقُ الأدبيُّ إلى قالبٍ محفوظٍ يُنسَخُ على عشراتِ النصوصِ المختلفة، دونَ أيِّ قراءةٍ حقيقيّةٍ لخصوصيّةِ العملِ أو لغتِه أو رؤيتِه.
إنَّ هذا النوعَ من الممارسةِ لا يُنتجُ نقدًا، بل يُنتجُ ضجيجًا ثقافيًّا يُربكُ الذائقةَ العامّة، ويحوّلُ النصوصَ إلى مناسباتٍ اجتماعيّةٍ للتبادلِ الرمزيِّ للمجاملات، بدلَ أنْ تكونَ فضاءاتٍ للفحصِ الجماليِّ والمعرفي.
فالناقدُ الحقيقيُّ:
لا يستعرضُ ألقابَهُ أمامَ النص، بل يختبرُ النصَّ بأدواتِه المعرفيّة، لأنَّ قيمةَ النقدِ لا تُقاسُ بعددِ الصفاتِ المعلّقةِ قبلَ الاسم، بل بعمقِ القراءةِ وصدقِ الرؤيةِ ونزاهةِ الحكم.
ثالثًا:
أثرُ المجاملةِ في المبدعِ والمتلقّي:
إنَّ المجاملةَ المفرطةَ لا تضرُّ القارئَ وحده، بل تُلحقُ الأذى بالمبدعِ نفسِه؛ لأنَّ الموهبةَ لا تنمو في بيئةِ الاطمئنانِ الكامل، بل تحتاجُ إلى قلقٍ جماليٍّ دائم، وإلى عينٍ ناقدةٍ تكشفُ مواطنَ القوّةِ والضعفِ معًا.
فالكاتبُ الحقيقيُّ لا يحتاجُ إلى مديحٍ متواصل، كما لا يحتاجُ إلى هدمٍ عدائيّ، بل يحتاجُ إلى قارئٍ شجاعٍ يمتلكُ ذائقةً منصفة، يقولُ الحقيقةَ بوعيٍ وجمال.
كما أنّ تضخيمَ النصوصِ الضعيفةِ عبرَ المجاملةِ يُنتجُ قارئًا مرتبكًا، يفقدُ تدريجيًّا قدرتَهُ على التمييزِ بينَ الأدبِ الحقيقيِّ والإنشاءِ العاطفيِّ العابر.
وهنا تتشكّلُ أزمةُ الذائقةِ التي تُعدُّ أخطرَ من أزمةِ النصوصِ نفسها، لأنَّ فسادَ الذائقةِ يعني فسادَ معاييرِ التلقّي والحكمِ الجماليّ.
رابعًا:
الحاجةُ إلى نقدٍ بوصفهِ فعلَ محبّة:
إنَّ إعادةَ الاعتبارِ للنقدِ الموضوعيِّ تمثّلُ اليومَ ضرورةً ثقافيّةً لا ترفًا فكريًّا، لأنَّ الأممَ التي تفقدُ قدرتَها على النقد، تفقدُ بالتدريجِ قدرتَها على إنتاجِ الجمالِ الحقيقيّ.
فالنقدُ ليسَ خصومةً مع الإبداع، بل حمايةٌ لهُ من الركودِ والوهمِ والتضخّمِ المجانيّ.
وهو ليسَ فعلَ هدمٍ أو تعالٍ، بل ممارسةٌ معرفيّةٌ تُسهمُ في تطويرِ التجربةِ الأدبيّة، وتمنحُ الكاتبَ فرصةَ اكتشافِ مناطقِ القوّةِ والقصورِ في نصوصِه.
إنَّ الناقدَ الحقيقيَّ:
هو الذي يمتلكُ شجاعةَ قولِ الحقيقة، لكنْ بلغةٍ جميلة، وبوعيٍ يُدركُ أنّ النصَّ الأدبيَّ كائنٌ حيٌّ يحتاجُ إلى من يُضيءُ عثراتِه لا إلى من يُخفيها تحتَ ستارِ المجاملة.
في الختام:
لقد تحوّلتِ المجاملةُ في كثيرٍ من فضاءاتِنا الثقافيّةِ من سلوكٍ إنسانيٍّ راقٍ إلى آليّةِ تضليلٍ جماليٍّ تُنتجُ الوهمَ أكثرَ ممّا تُنتجُ الأدب.
ومع اتّساعِ ظاهرةِ النقدِ الاستعراضيِّ وتبادلِ الإطراءِ الجاهز، أصبحَ المشهدُ الأدبيُّ مهدّدًا بفقدانِ واحدةٍ من أهمِّ ركائزِه: هي االصدقُ النقديّ.
إنَّ إنقاذَ الثقافةِ من هذا التواطؤِ الجماليِّ يبدأُ بإعادةِ الاعتبارِ للقراءةِ العميقة، وللنقدِ النزيهِ، وللقارئِ الذي يضعُ النصَّ فوقَ العلاقاتِ الشخصيّةِ والألقابِ والمجاملات.
فحينَ يعودُ النقدُ إلى مكانتِه الطبيعيّة، تستعيدُ الكتابةُ معناها الحقيقي، ويصبحُ الأدبُ فعلَ اكتشافٍ لا مجرّدَ احتفالٍ بالصدى.
وهكذا، لا يعودُ النقدُ اسمًا على ورقٍ، ولا لقبًا يُعلَّقُ قبلَ القراءة،
بل يتحوّلُ إلى امتحانٍ أخلاقيٍّ قبل أن يكونَ جماليًّا.
فالذينَ يسبقونَ النصَّ بأوصافِهم الجاهزة،
ويُطلقونَ أحكامَهم قبل أن يلمسوا روحه، لا يملكونَ سلطةَ النقدِ بقدرِ ما يكشفونَ عن أنفسِهم داخلَ مرآته.
إنَّ النصوصَ الصادقةَ لا تُخدعُ بالمجاملات، والقرّاءَ الأذكياءَ لا تنطلي عليهم أقنعةُ الإبهارِ المصطنع، والزمنُ في نهايةِ المطاف لا يحفظُ إلا ما كان نقيًّا من الضجيج.
ولذلك، يبقى القولُ الأجملُ والأكثرُ حسمًا:
إنَّ الحقيقةَ لا تحتاجُ إلى من يزيّنُها، بل تحتاجُ إلى من يراها كما هي..
وكلُّ من يظنُّ أنَّ ضجيجَ الألقابِ يحميه، فهو في الحقيقةِ مكشوفٌ أمامَ أولِ قارئٍ واعٍ، وأمامَ أولِ نصٍّ يعرفُ الفرقَ بينَ النقدِ… والاستعراض.

ارسال التعليق