الدراما ليست مجرد وثيقة تاريخية
مجيدة محمدي
مجيدة محمدي / كاتبة وباحثة | تونسية
عندما ننتج أعمالًا درامية عن شخصيات تاريخية مثيرة للجدل، نقف أمام معضلة كبرى: هل نحن بصدد إعادة سرد الوقائع كما حدثت، أم أننا نصنع مرآة تعكس أجندات سياسية أو مذهبية معاصرة؟
الدراما بطبيعتها ليست مجرد وثيقة تاريخية، بل هي إعادة بناء سردي يمرّ عبر عدسة صانع العمل، فتتحول الشخصيات إلى رموز، والمواقف إلى دروس، والسياقات إلى مواقف تمتزج بالواقع الحاضر. من هنا، تنشأ التساؤلات حول دوافع الإنتاج: هل الهدف هو تقديم رؤية نقدية وعميقة للتاريخ تساعد الجمهور على فهم الجذور التي تشكل حاضرهم؟ أم أن هناك يدًا خفية تحرّك العمل ليصب في مصلحة تيارٍ معين، فيُستغل التاريخ ليُعاد إنتاج الانقسامات القديمة؟
إن إنتاج أعمال درامية عن شخصيات تاريخية مثيرة للجدل يحمل في طياته فرصًا ومخاطر. فمن جهة، يمكن أن يكون هذا الإنتاج جسرًا للحوار والتفاهم، يتيح للجمهور فرصة لإعادة التفكير في الموروث التاريخي بعيدًا عن التقديس أو الشيطنة. لكنه من جهة أخرى قد يتحول إلى أداة لفرض تصورات أحادية، تُستخدم كوقود لإذكاء الصراعات المذهبية والدينية، خاصة عندما يُنتج العمل بتمويل من جهات ذات مصالح سياسية محددة.
السؤال الأهم هنا: من يكتب هذه الدراما، ومن يمولها، ولأي جمهور تُوجَّه؟ إذا كان الهدف هو تعميق الوعي التاريخي، فيجب أن يُبنى العمل على رؤية متعددة الزوايا، تُظهر الشخصيات في تعقيدها الإنساني، بعيدًا عن التصنيف الأخلاقي الحاد بين "القديسين" و"الأشرار". أما إذا كان الهدف هو ترسيخ رؤية أيديولوجية، فسنجد أنفسنا أمام نسخة مشوهة من التاريخ، حيث يصبح الماضي مجرد وقود لنزاعات الحاضر.
لذا، لا يكفي أن ننتج دراما عن شخصيات تاريخية، بل يجب أن نسأل: كيف تُروى هذه القصص؟ وما الأثر الذي تتركه في وعي المشاهد؟ لأن التاريخ ليس مجرد أحداث مضت، بل هو حاضر يتجدد في وعينا، وإذا أسيء توظيفه، أصبح لعنة تكرر نفسها.

ارسال التعليق