خطر ناعم يطرق الأبواب .. ريلز "انستجرام" وتطبيع اللاطبيعي

مريم شومان

 


مريم شومان/كاتبة فلسطينية


في عصر تجاوزت فيه الشاشات الذكية الترفيه لتصبح شريكًا مؤثرًا في تشكيل وعي الأفراد والمجتمعات، تبرز تساؤلات جدية حول دور المحتوى الرقمي في إعادة تعريف المفاهيم القيمية والسلوكية، خصوصًا لدى الأجيال الناشئة.
تأتي منصة "انستجرام" وتحديدا عبر ميزة "الريلز"، كأحد أبرز النوافذ التي تُبث عبرها مضامين ترفيهية تحمل في طياتها ما هو أبعد من مجرد مقاطع سريعة وعابرة، فهذه الفيديوهات القصيرة التي تعتمد على الجذب البصري والإيقاع السريع، باتت نافذة تأثير لا يُستهان بها، تتسلل إلى البيوت والعقول دون استئذان، حاملة معها أنماطًا من السلوكيات والمفاهيم التي كثيرًا ما تتعارض مع القيم الأسرية والاجتماعية بل والفطرة الإنسانية.
لا تبدو خطورة "الريلز" في مضمون كل مقطع على حدة، وإنما في التكرار الكثيف، والطريقة غير المباشرة التي يتم من خلالها تمرير سلوكيات دخيلة على البيئات الثقافية والاجتماعية المحافِظة، إنّ ما تقدمه هذه المقاطع في ظاهرها محتوى ترفيهي، لكنه في الجوهر يساهم تدريجيا في تطبيع اللامألوف، وخلق نوع من الاعتياد العاطفي والنفسي على ممارسات لا تنسجم مع البنية الأخلاقية لكثير من المجتمعات.
وتتجلى الإشكالية حين يتحول هذا النمط من المحتوى إلى مصدر رئيسي لتشكيل الذوق والسلوك، لا سيما لدى المراهقين والأطفال، الذين يفتقرون في الغالب إلى أدوات التمييز والحكم النقدي، فالمحتوى الخفيف والسريع – والمكرر- يُنتج أثرًا تراكميًا، يُعيد برمجة السلوك والمواقف دون أن يشعر الفرد أنه يتغير بالفعل.
ليست هذه الظاهرة حكرًا على المجتمعات العربية أو الشرقية فحسب، بل تتجاوزها إلى مختلف المجتمعات، بما فيها الغربية ذاتها، حيث بدأت تتعالى أصوات من داخل أوروبا والولايات المتحدة تحذّر من أثر هذه المنصات على الصحة النفسية للمراهقين، وعلى مفاهيم الهوية والانضباط السلوكي ودور الأسرة في التنشئة.
في هذا السياق، تؤكد تقارير أن المحتوى الرقمي القصير – خصوصا على منصات مثل انستجرام وتيك توك- يؤدي إلى تدني مستويات التركيز، ويغذي سلوكيات استعراضية قائمة على المقارنة ومحاولة تقليد نماذج غريبة، في ظل غياب رقيب حقيقي على نوعية ما يُعرض، أو ما يُشاهد.
أمام هذا الواقع المتسارع، يصبح من الضروري تبنّي مقاربة متوازنة لا تقوم على المنع الكامل، وإنما على الوعي، والمرافقة التربوية ، واستخدام الأدوات التكنولوجية المتاحة للرقابة الذكية. فالأسر مطالبة اليوم بأدوار تتجاوز التوجيه التقليدي، لتشمل مشاركة حقيقية في متابعة المحتوى الرقمي الذي يتعرض له الأبناء، ومناقشته معهم بوعي وفهم، لا بفرض ومنع.
ويُعد تعزيز المناعة الفكرية والقيمية لدى الناشئين أحد أهم ركائز الحماية، من خلال ترسيخ الهوية الذاتية، وتنمية مهارات التفكير النقدي، والقدرة على التمييز بين السلوكيات السليمة وتلك الدخيلة، مهما كانت مغلّفة بقوالب جذابة.
كما أن استخدام أدوات الرقابة الأبوية التي تتيحها التطبيقات والمنصات أصبح ضرورة، شريطة أن يرافق ذلك وجود تربوي واعٍ يعزز الفاعلية، وفي ظل هذا التحدي، يصبح الاستثمار في إنتاج محتوى بديل هادف، يجمع بين الجودة والرسالة خيارًا استراتيجيًا لا بديل عنه، إلى جانب دور جوهري للمؤسسات التربوية والثقافية والدينية في بناء وعي جمعي قادر على التصدي لهذا السيل الجارف من التأثيرات الرقمية، وتشكيل ثقافة نقدية تحصّن المجتمع من الداخل.
ما يجري اليوم على الشاشات الصغيرة ليس مجرد استهلاك عابر، بل إعادة تشكيل عميقة للمفاهيم، ولطبيعة العلاقات الاجتماعية، ولما هو "طبيعي" أو "مقبول" في وجدان الأفراد، والخطر الحقيقي يكمن في أنّ هذا التحول لا يتم عبر الصدام، بل عبر التسلل الصامت إلى العقول.
إنّ مواجهة هذا التحدي تتطلب تضافر الجهود، لا سيما في ظل التنامي السريع في استهلاك هذا النوع من المحتوى، وتنامي تأثيره النفسي والسلوكي، وهي معركة تفرض على الجميع – أفرادًا ومؤسسات – تحمّل المسؤولية قبل أن يصبح اللاطبيعي هو المألوف الجديد.

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق