عن الفقاعة الفكرية
م.د. أماني عبد الخالق اللامي
م.د. أماني عبد الخالق اللامي /باحثة عراقية
"الفقاعة الفكرية" هو مصطلح مجازي يُستخدم لوصف حالة الانعزال الفكري أو المعرفي التي يحيط فيها الشخص نفسه بمعلومات وآراء ومصادر تؤكد معتقداته وتفضيلاته القائمة بالفعل، ويتجنب أو يُستبعد عنه تلقائياً (سواء بوعي أو دون وعي) الآراء ووجهات النظر والمعلومات المختلفة أو المعارضة. تُعد "الفقاعة الفكرية ، واحدة من أبرز التحديات التي تواجه العقل البشري في عصر المعلومات والذكاء الاصطناعي. ورغم أننا نعيش في زمن يفترض فيه أن نكون أكثر انفتاحاً على العالم، إلا أن الواقع يشير إلى أننا نتقوقع تدريجياً داخل سجون فكرية من صنع أيدينا (أو خوارزمياتنا).
توصف الفقاعة الفكرية؟على انها حالة من العزلة المعرفية يعيش فيها الفرد، حيث لا يتعرض إلا للأفكار والمعلومات التي تتوافق مع معتقداته وآرائه المسبقة. داخل هذه الفقاعة، يتم تضخيم صوته الخاص وصوت من يشبهونه، بينما تُحجب أو تُشوه الأصوات المعارضة، مما يخلق وهماً بأن "الجميع يفكر مثلي" أو أن "هذا هو الحق المطلق".
أسباب نشوء الفقاعات الفكرية ناتج من تتضافر العوامل النفسية والتكنولوجية كالانحياز التأكيدي وهو ميل طبيعي في العقل البشري للبحث عن المعلومات التي تؤيد معتقداته الحالية وتجاهل أي دليل ينقضها.
او من الخوارزميات التي صُممت المنصات لتبقيك أطول فترة ممكنة؛ لذا فهي تقدم لك ما تحب وتخفي عنك ما يزعجك، مما يحول تغذيتك الإخبارية إلى مرآة لشخصيتك فقط. الشعور بالراحة النفسية مواجهة أفكار مغايرة تسبب حالة من "التنافر المعرفي" وهي حالة مزعجة، لذا يهرب الإنسان إلى المجموعات التي تشعره بالأمان الفكري والقبول.
تكمن مخاطر الانحباس داخل الفقاعة ليس بمجرد الانغلاق، بل له تبعات خطيرة على الفرد والمجتمع مثل تآكل التفكير النقدي فيصبح الفرد لا يخوض بالنقاش مع المعارضين، تضعف قدرتك على التحليل والمنطق. ام من خلال الاستقطاب الحاد تتحول الاختلافات الفكرية إلى صراعات وجودية، حيث يُنظر للمخالف ليس كمخطئ بل كعدو أو جاهل. او سهولة التلاعب: يصبح الشخص داخل الفقاعة صيداً سهلاً للأخبار الزائفة والبروباجندا، لأن عقله مهيأ لتصديق أي سوء يُقال عن "الطرف الآخر".
و السؤال كيف نكسر جدران الفقاعة؟الخروج من الفقاعة يتطلب جهداً واعياً وشجاعة فكريةمن خلال تنويع المصادر تابع أشخاصاً أو منصات تختلف معهم جذرياً في الرأي، وحاول فهم "المنطق" الذي يستندون إليه قبل الحكم عليهم.تبني عقلية "الباحث" لا "المحامي": المحامي يبحث عن أدلة تبرئ موكله فقط، أما الباحث فيبحث عن الحقيقة أينما كانت.تفعيل الشك المنهجي: اسأل نفسك دائماً: "ماذا لو كنت أنا المخطئ؟" و"ما هي أقوى حجة لدى الطرف الآخر؟".الخروج من العالم الافتراضي: الحوارات الإنسانية المباشرة غالباً ما تكون أكثر عمقاً وأقل حدة من المشاحنات خلف الشاشات.
لابد للخروج من السجن المريح، الذي يمنعنا من رؤية اتساع الحقيقة وتعدد ألوانها. إن الذكاء الحقيقي ليس في القدرة على إثبات صحة وجهة نظرك، بل في القدرة على استيعاب وجهات نظر متعددة والتعايش معها.

ارسال التعليق