تداعيات اختطاف الرئيس الفنزويلي على المشهد السياسي والاقتصادي الإقليمي: هيمنة الولايات المتحدة وفرض سلطة الأمر الواقع
حسين السياب
حسين السياب
كاتب | عراقي
في ظل صمت دولي
أعاد الحديث عن اختطاف الرئيس الفنزويلي، أو محاولة المساس بشرعية القيادة السياسية في فنزويلا، إلى الواجهة إشكالياتٍ عميقة تتجاوز حدود الدولة المعنية، لتطال مجمل التوازنات السياسية والاقتصادية في أمريكا اللاتينية، بل وفي النظام الدولي ككل. فهذه الواقعة، بما تحمله من دلالات، تكشف عن طبيعة الصراع بين إرادة الشعوب وسياسات الهيمنة، وعن هشاشة منظومة القانون الدولي حين تتعارض مع مصالح القوى الكبرى.
أولاً: البعد السياسي للاختطاف ومحاولة كسر السيادة
يمثل استهداف رئيس دولة ذات سيادة، بأي صورة كانت، انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي ولمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. وفي الحالة الفنزويلية، لا يمكن فصل هذه الأحداث عن سياق طويل من الضغوط السياسية التي مارستها الولايات المتحدة وحلفاؤها بهدف إعادة تشكيل النظام السياسي بما يتوافق مع مصالحهم الاستراتيجية، خصوصاً في ما يتعلق بالطاقة والنفوذ الجيوسياسي في أمريكا اللاتينية.
إن ما جرى لا يهدد فقط استقرار فنزويلا الداخلي، بل يبعث برسالة مقلقة إلى دول المنطقة مفادها أن الشرعية السياسية يمكن تجاوزها بالقوة، وأن صناديق الاقتراع ليست كافية لحماية إرادة الشعوب إذا ما تعارضت مع إرادة القوة.
ثانياً: التداعيات الاقتصادية على فنزويلا والمنطقة
اقتصادياً، تأتي هذه الأحداث في سياق أزمة خانقة تعيشها فنزويلا نتيجة العقوبات المفروضة عليها، والتي انعكست سلباً على العملة الوطنية، ومستويات المعيشة، والقدرة الإنتاجية للدولة. ويؤدي أي تصعيد سياسي أو أمني إلى مزيد من العزلة الاقتصادية، ويعمّق معاناة الشعب الفنزويلي، لا النخبة الحاكمة فقط.
كما تمتد هذه التداعيات إلى دول الجوار، حيث تتأثر أسواق الطاقة، وحركة التجارة، والاستقرار المالي في منطقة تعتمد إلى حد كبير على التوازن السياسي لضمان النمو والتنمية. وهكذا يتحول الصراع من شأن داخلي إلى عبء إقليمي واسع.
ثالثاً: هيمنة الولايات المتحدة وتجاوز الشرعية الدولية
تكشف هذه القضية مجدداً عن نمط متكرر في السياسة الأمريكية، يقوم على فرض سلطة الأمر الواقع بعيداً عن مؤسسات الشرعية الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة. فبدل اللجوء إلى الحوار أو الآليات الدبلوماسية، تُستَخدم أدوات الضغط الاقتصادي، والدعم غير المباشر للانقلابات أو محاولات تغيير الأنظمة، كوسائل لتحقيق الأهداف السياسية.
هذا السلوك لا يضعف فقط مكانة الأمم المتحدة، بل يكرّس منطق القوة على حساب القانون، ويؤسس لنظام دولي انتقائي تُطبَّق فيه القواعد على الضعفاء فقط، بينما تُستثنى القوى الكبرى من المساءلة.
رابعاً: صمت العالم وتآكل الضمير الدولي
الأكثر خطورة من الحدث نفسه هو صمت المجتمع الدولي، أو الاكتفاء ببيانات خجولة لا ترقى إلى مستوى الفعل. هذا الصمت يعكس أزمة أخلاقية وسياسية عميقة، حيث باتت المصالح الاقتصادية والتحالفات الاستراتيجية مقدَّمة على مبادئ العدالة والسيادة وحقوق الشعوب.
إن سكوت العالم على ما يحدث في فنزويلا يفتح الباب لتكرار السيناريو ذاته في دول أخرى، ويمنح الضوء الأخضر لمزيد من التدخلات، ما يهدد الاستقرار العالمي ويقوّض الثقة بأي نظام دولي قائم على القانون.
خاتمة:
إن تداعيات اختطاف الرئيس الفنزويلي، بما تحمله من أبعاد سياسية واقتصادية وأخلاقية، ليست حدثاً عابراً، بل مؤشر خطير على اتجاه النظام الدولي نحو مزيد من الفوضى المقنَّعة بالقوة. وأمام هذا الواقع، تبدو الحاجة ملحّة إلى موقف دولي حازم يعيد الاعتبار لسيادة الدول، ويضع حداً لسياسات الهيمنة وفرض الأمر الواقع، قبل أن يتحول الصمت العالمي إلى شراكة غير معلنة في الجريمة.

ارسال التعليق