القصة الكاملة للكلمات

د. ميثم الحربي

من مُخرجات التراث التصحيحي للغة العربية؛ أن ثمرة "النحو العربي" قد أزهرت على جدل اجتناب اللحن؛ حين شكا سيبويه إلى الخليل بن أحمد، حمادَ بن سلمة، عندما خطّأَهُ وانتَهرَهُ على ضَمِّهِ عَين لفظ "رَعُفَ"، فقال الخليل: صدق؛ إنما هو " رَعَفَ" بفتح العين. وهذا مما ذُكِرَ في سبب تعلّم سيبويه العربية.

 د. ميثم الحربي
شاعر وأكاديمي | عراقي

 

من مُخرجات التراث التصحيحي للغة العربية؛ أن ثمرة "النحو العربي" قد أزهرت على جدل اجتناب اللحن؛ حين شكا سيبويه إلى الخليل بن أحمد، حمادَ بن سلمة، عندما خطّأَهُ وانتَهرَهُ على ضَمِّهِ عَين لفظ "رَعُفَ"، فقال الخليل: صدق؛ إنما هو " رَعَفَ" بفتح العين. وهذا مما ذُكِرَ في سبب تعلّم سيبويه العربية.

من السليقة إلى الصناعة:
ولكلمة "اللحن" معانٍ مختلفة عديدة، منها أنها "اللغة"، يُقال: هذا بلحن بني تميم أي بِلُغتهم. ومنها أنها "الخطأ" في اللغة. وهو معنى لاحق قال فيه المستشرق الألماني يوهان فك. وهو قولٌ ينبتُ على تُربة من الظنون؛ فاللحن بمعنى الخطأ كان يُعرف بهذا المعنى في أنواع الألسنة في الجاهلية التي تتفرّق إلى "العربية البدوية"، و"العربية القروية"، و"العربية المدنية". وخلال انتقال العربية من "السليقة" إلى عهود "الصناعة" سمّى علماء اللغة الأقدمون الخطأ قبل الإسلام "شذوذًا" وتسالموا عليه خطأ ولحنا في مجرى تقدم البحث اللغوي داخل عهود الصناعة.

التصنيف والمعيار:
ومن التراث المُصنف في هذا الميدان يوجد مساران، الأول: مسار التراث المُصنّف على نظام المُعجم، والثاني: مسار التراث المُصنف على غير نظام المُعجم. وهو تراثٌ غزير غريب السعة ترك لنا أسئلة سالفةً وراهنة، وهي: ما مدار الفصاحة؟ وما العربية المطلوبة؟ وما المقياس الثابت الأصيل الذي عليه المُلتقى وإليه المرجع عندما يشجُر النزاع؟ 
ثُمّ لِيكت تلك الأسئلة ضمن جدل البحث عن معيارٍ ما للتصحيح، فكان أنْ وَصَلَنا معياران اثنان، الأول: قام على الخلاف في المنصوص، والثاني: قام على الخلاف في المولّد، وانشعب هذا المعيار إلى جدل المولد من المادة العربية، وجدل المولد من المادة الأجنبية.

قديمًا:
ويلوح للناظر في التراث، وجود ستة عشر مؤلّفًا من أهم التآليف في هذا الحقل أذكُرها هنا في جريدة على وفق الترتيب الزمني لمؤلفيها، وقد بدأت بالكسائي "189هـ" في كتابه "ما تلحن فيه العامة"، وابن السكيت "244هـ" في "إصلاح المنطق" وابن قتيبة "276هـ" في "أدب الكاتب"، وثعلب "291هـ" في "الفصيح"، وأبي بكر الزبيدي "379هـ" في "لحن العوام"، وأبي هلال العسكري "بعد 395هـ" في "لحن الخاصّة"، وابن مكي الصقلي "501هـ" في "تثقيف اللسان وتلقيح الجَنان"، والحريري "516هـ" في "درة الغوّاص في أوهام الخواص"، والجواليقي "539هـ" في "التكملة في ما يلحن فيه العامة"، وابن هشام اللخمي "577هـ" في "المدخل إلى تقويم اللسان"، وابن الجوزي "597هـ" في "تقويم اللسان"، وابن خاتمة الأنصاري "775هـ" في "إيراد اللآل من إنشاد الضوال"، وابن الإمام التونسي "بعد 827هـ" في "الجمانة في إزالة الرطانة"، وابن كمال باشا "940هـ" في "التنبيه على غلط الجاهل والنبيه"، وابن الحنبلي "971هـ" في كتابه "عقد الخلاص في نقد كلام الخواص"، وكتابه "سهم الألحاظ في وهم الألفاظ". 

حديثًا:
ومع حلول العصر الحديث، يمّمَت حركة التأليف في التصحيح اللغوي وجهها شطرَ التعليق على كتب الأقدمين، أو تذييلها، فكانت إرهاصاتٍ وحواشيَ أنتجت – في ما بعد – مؤلفات نظرت في الفساد اللغوي الذائع في وسائط التعبير المختلفة مثل: المجلات، والجرائد، والمنصات المرئية والمسموعة. وكان أول من ألّفَ في أيام النهضة الحديثة على نظام المعجم أبو الثناء الآلوسي "1217م" واسم تأليفه "كشف الطرة عن الغرة" وهو شرح لـ "درة الغواص في أوهام الخواص". وظهر إبراهيم اليازجي "1906م" فأنشأ في مصر مجلته الشهيرة باسم "الضياء" فحفلت بمقالات نقد فيها لغة الصحافة آنذاك وسمى مقالاته "لغة الجرائد"، فاستلّ مصطفى توفيق المؤيدي ما كتبه اليازجي وطبعه في كراس خاص مذيلًا بفهرس لغوي للألفاظ المحققة مرتبة على نظام المُعجم.

ظهور اليازجي:
ولقد أثارت مقالات اليازجي أقلام الباحثين من أهل اللغة والنحو وقامت حولها أعمال مختلفة، منها ما رتب مادتها، ومنها ما تصدى لها فخطّأ اليازجي وهاجمه؛ فكتب أنستاس الكرملي "النغم الشجي في أغلاط اليازجي"، وكتب محمد سليم الجندي "إصلاح الفاسد من لغة الجرائد"، وكتب محمد بهجة الأثري مقالًا سماه "نظرة في إصلاح الفاسد من لغة الجرائد"، وكتب مصطفى جواد مقالًا سماه "عثرات اليازجي وجرجي جنن البولسي في مغالط الكتاب ومنهاج الصواب". وما ذلك إلّا دليل على مكانة اليازجي اللغوية، ومبلغ ما أثارته هذه المقالات من خواطر وآراء تتصل بمنهج النقد ومعيار الحكم بالخطأ أو الصواب على هذا الاستعمال أو ذاك.

التقصّي الواسع:
وفي عام "1939م" ظهر كتاب جزيل النفع، جليل القدْر موضوعًا ومنهجًا ومضامين، هو كتاب "أخطاؤنا في الصحف والدواوين" لصلاح الدين السعدي الزعبلاوي، وقد أقامه على بابين كبيرين، الأول: موضوعات لغوية ونحوية وصرفية رأى المؤلف أنها تُشكِل على الكُتّاب وأنها مدار أوهامهم، والثاني: معجم في الأخطاء اللغوية المنتشرة في الصحف والدواوين. إنّ كتاب الزعبلاوي هذا لم يكن طريفًا في موضوعه أو نهج تأليفه في الجملة؛ ولكنه كتاب أثبت فيه صاحبه أن له في هذا أداة متكاملة، ومنهجًا مُحدد المعالم لا يضطرب ولا يتناقض، وصبرًا على التقصّي الواسع والتحقيق الدقيق الشامل مادةً كبيرة مما أخطأ فيه المترسّلون ومادة أخرى من الكلمات الفصاح التي تجافى عنها أصحاب الأقلام ظانين فيها العامية أو الانحراف. وفي عام "1944م" بدأ الدكتور مصطفى جواد ينشر في مجلة "عالم الغد" مقالات متلاحقة عنوانها "قل ولا تقل" في هيئة جدول ذي بابين: باب الخطأ وباب الصواب بلا تعليل أو استشهاد.  

الطريقة المعجمية الحديثة:
وإن أوسع معجمات التصحيح الحديث وأغزرها مادة هو "معجم الأخطاء الشائعة" لمحمد العدناني. وهو معجم من أحدث آثار التصويب؛ إذ ظهر عام "1973م"، وكان العدناني ينشر منه نجومًا في مجلة "الأديب" في بيروت، فلما تجمعت لديه مادة وفيرة أنشأ معجمه هذا مشتملًا على مئة ألف وسبع وثمانين مسألة لغوية. وبيّنَ العدناني أنه تلقّف كثيرًا من الأخطاء الواردة فيه من أفواه الخطباء ومذيعي الراديو والتلفزيون ومن الصحف والمجلات والكتب. 
وقد وضع تلك المواد على الطريقة المعجمية الحديثة التي تعتمد الحرف الأول الأصل، كما اعتمد وضع الصواب عنوانًا للبحث لكي يكسو نَظرَ القارئ ويرحل إلى ذهنه وذكر الخطأ في الشرح متلوًا بذكر الصواب مرة ثانية ليزداد رسوخًا والتماعا. ولم يقف العدناني نقوده وتحقيقاته بعد هذا المعجم؛ بل بقي يُعقّب ويُنقّب، ويستفتي المجامع والمظان؛ لأجل تدوين معجم جديد دعاه "مُعجم عثرات الأدباء" ما يزال محجوبًا عن الأنظار، إلى اليوم.

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق