منهج الذرائعية المقدس، والمنفعة، والأخلاق
داود سلمان الشويلي
داود سلمان الشويلي
باحث وناقد | عراقي
يقوم منهج الذرائعية (المنفعة) الذي اجترحه الاستاذ عبد الرزاق الغالبي على آيات قرآنية من سورة الشعراء هي الآيات (من 221 الى 227).
إذن يصيّر منهجه النقدي هذا متسلحا ضمن القرآن فلا يأتيه الباطل من كل جوانبه، ومن يقول عكس ذلك فمصيره الى جهنم، وبأس المصير.
سنناقش في هذه السطور، وللمرة الثانية، وهي المرة الأخيرة، هذا الجانب من خلال:
–إلاهية النقد الذرائعي "المقدس".
–التأكيد على ان الذرائعية هي المنهج التكاملي.
1–إلاهية النقد الذرائعي "المقدس":
جاء في الفصل السادس (اِشتراح المصطلح الذرائعي الهيا و نسبية الأخلا ق في المنهج الذرائعي النقدي العربي) من كتاب المنظر عبد الرزاق الغالبي (الذرائعية والإدراك وتكنولوجيا اللغة/ ج6):
((هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِّينُ* تَنَزَّلُ عَلى كُلّ أَفَّاكٍّ أَثِّيمٍّ* يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِّبُونَ* وَالشُّعَراءُ يَتَّبِّعُهُمُ الْغاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِّي كُلِّ وادٍّ يَهِّيمُونَ* وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ* إِّلاَّ الَّذِّينَ آمَنُوا وَعَمِّلُوا الصَّالِّحاتِّ وَذَكَرُوا اللَّه كَثِّيرًا وَانْتَصَرُوا مِّنْ بَعْدِّ ما ظُلِّمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِّينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍّ يَنقَلِّبُونَ)) (الشعراء: 221 – 227).
يكفي هذا العنوان على ان هذا المنهج هو منهج مقدس، فيكون مثل القرآن، حيث لا يأتيه الباطل من كل جوانبه، أو مثل من يؤمنون بأن صحيح البخاري هو الكتاب الثاني بعد القرآن فيعتقدوا بما جاء به من أحاديث نبوية إن صح قولها على لسان النبي، أم لم تصح.
هذا المنهج هو منهج إلاهي، ولا اظن ان من يقرأ عن هذا المنهج وفي أول سطوره هذا الآيات القرآنية يقول غير ذلك، فهل علينا القول: يا أيها النقاد لاتقربوه وانتم على جنب؟ أي إن كنتم غير مؤمنين عندما تودون تطبيقه على الشعر الذي ينضح ما فيه من مسائل لا اخلاقية حسب الدين الاسلامي، فهو خاص بالنقاد من هذا الجانب الذي ينظر للشعر كما وصفه القرآن، على انه ((إِّلاَّ الَّذِّينَ آمَنُوا وَعَمِّلُوا الصَّالِّحاتِّ وَذَكَرُوا اللَّه كَثِّيرً ا وَانْتَصَرُوا مِّنْ بَعْدِّ ما ظُلِّمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِّينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍّ ينقَلِّبُونَ)) ص128.
لم ينظّر أي مؤسس لمنهج نقدي تأسيسا على مرجعية مقدسة، سوى المنظّر الاستاذ الغالبي، وحتى الناقد العربي الاسلامي الجرجاني عندما اجترح منهج النظم في كتابه دلائل الاعجاز لم يقل ذلك، ولا الجاحظ عندما قال "إنَّ المعاني مطروحةٌ على قوارعِ الطريق، وإنما يتميز الناس بالألفاظ"، ولا قدامة بن جعفر في كتابيه "نقد الشعر"، و"نقد النثر"، ولا أي واحد عبر تاريخ النقد الأدبي.
وتأتي الضربة القاسمة عندما يقول الاستاذ الغالبي ص128: ((ترى الذرائعية بأن اشتراح مصطلح (النفعية الملاحق من قبل الشعراء) إلهيًّا هو اشتراح أخلاقي، يفصل (المنفعة الإيجابية) عن (النفعية السلبية) ويجعلهما ديدانَين متوازيَين بالتماثل العكسي لمن يمثّلهما)).
إذن الذرائعية، أي النفعية، بوجهيها الايجابي، والسلبي، هي مصطلح أنزل من الله فكان مصدرها إلاهيا.
2–التأكيد على ان الذرائعية هي المنهج التكاملي:
ولو تغاضينا عن إلهية المصدر، ونأتي الى كونه منهجا تكامليا فاننا سنناقشه في هذا السطور، وكما يلي:
عند مناقشتنا لمنهج الذرائعية الذي اجترحه الاستاذ عبد الرزاق عودة الغالبي جاء الحديث عن المنفعة، والأخلاق، التي يتوخاهما هذا المنهج، على انهما غير موجودين في المنهج التكاملي، كما يذكر الاستاذ الصحفي علي عبد الكريم عند تعليقه على الموضوع الذي نشرته في موقع نخيل عراقي قبل أيام، إذ قال: ((فإن وصف المنهج بـ "التكاملي" هو وصف غير متكامل لا يرقى لوصف الماهية. فالتكامل في المنهج الذرائعي ليس غاية بحد ذاته، بل هو وسيلة لغاية وهي تحقيق المنفعة والوصول إلى الرسالة الأخلاقية أو المجتمعية في النص..)). ويقول كذلك: ((المفهوم لا يفرق بين شاعر مؤمن وشاعر غير مؤمن، بل يفرق بين الشاعر الذي ينتج نفعاً (رسالة، أخلاق، عمل صالح) وبين الشاعر الذي "يهيم في كل واد" ويقول ما لا يفعل. وهذا هو جوهر البراغماتية العربية" هل للنص نتيجة ومردود إيجابي أم لا؟" وهذا معيار نقدي أخلاقي بامتياز.)). ويقول أيضا: ((لأن التكامل فيه ليس عشوائياً، بل هو تكامل هادف وموجه ببوصلة المنفعة والأخلاق. إنه يسعى لتقديم نقد عربي أصيل يحاسب النص على ما يقدمه من فائدة ورسالة، وهذا هو جوهر الذرائعية التي تتجاوز مجرد تحليل الشكل والمضمون.)).
لو تفحصنا المنهج التكاملي الذي يعتمد على استعارة أدوات، ومفاهيم، من مدارس نقدية مختلفة (مثل البنيوية، والتفكيكية، والنقد النفسي، والاجتماعي...الخ) لتقديم دراسة أكثر شمولاً، وعمقاً، للنص الأدبي، لأنه يرى أن المنهج الواحد لا يكفي لدراسة النص بشكل كامل. وقد عمل عليه مجموعة من النقاد العراقيين مثل: باسم عبد الحميد حمودي، وعبد الجبار داود البصري، ومن العرب في فترة ما بعد خمسينيات القرن المنصرم، أذكر من أؤلائك النقاد، والذي له باع طويل في النقد التكاملي، الدكتور شوقي ضيف، وكتابه (تاريخ الأدب العربي – العصر العباسي الأوّل – ط16 – دار المعارف)، إذ يذكر في الفصل السابع (طوائف من الشعراء) عن شعراء الغزل، فيقول عن شعرهم: ((الذين نبذوا التقاليد الخلقية العربية والاسلامية، إما بعامل الزندقة والشعوبية، وإما بعامل الترف وما ينتشر معه من فساد الأخلاق. وشتان بين الغزل الصريح في هذا العصر عند مطيع ابن أياس وأبي نواس وأضرابهما وبينه في العصر الأموي عند عمر بن أبي ربيعة والأحوص وأمثالهما، إذ كانوا يحتفظون بغير قليل ببعض الوقار والحشمة، أما مطيع وأبي نواس وبشار ونظرائهم العباسيون فقد خرجوا من كل حشمة ووقار خروجا يشبه أن يكون ثورة)) ص 370.
ماذا يسمي مثل هذا الكلام؟ أليس هو كلام عن الأخلاق، والمنفعة الأخلاقية التي يحصل عليها السامع، والقاريء، لهذا الشعر؟.
يقول ابن المعتز عن الشاعر العباس بن الأحنف: ((كان يتعاطى الفتوة على ستر وعفة وله مع ذلك كرم ومحاسن أخلاق)) ص376. إذ يذكر محاسن أخلاقه، وعفته.
وتكثر عند د. ضيف المفردات التي تصف الحالة الأخلاقية للشعراء، وما يجنونه من منفعة، مثل: ((شعوره الرقيق المهذب))،و((لم يكن من الخلعاء))، و((لم يكن فاسقا)) ص376.
إذن المنهج التكاملي يناقش أخلاق الشاعر المطروحة في قصيدته، من فساد، ومجون، وهذا تيار منتشر في الغزل، فيما هناك تيارا آخر هو تيار الغزل العفيف فيه الحب النقي الطاهر، والحشمة، والوقار، عند الشاعر، وشعره، وكل من خلاله يدرس الحالة الاجتماعية للشاعر، والشعر، وهذه هي المنفعة من الذرائعية تنفيذا لقول الآيات القرآنية في سورة الشعراء، وفي هذه الحالة لم نكن قد جانبنا الصواب عندما قلنا ان الذرائعية هي التكاملية.
ولو تفحصنا الفهرس لوجدنا الكتاب يناقش الموضوعات التالية: المجون، الزندقة، الشعوبية، الزهد. ويتحدث عن الشعراء كل ضمن حقله كشعراء السياسة، وشعراء الشيعة، وشعراء البرامكة، وشعراء الهجاء، وشعراء الغزل، وشعراء المجون، وشعراء الزندقة، وشعراء الزهد، وشعراء الاعتزال. ثم يأتي الى كتاب النثر. أي ان الكاتب يناقش هؤلاء الشعراء كل حسب عقيدته ان كانت مع آيات سورة الشعراء أم لا، أي يناقشهم عن الأخلاق، المنفعة، الذرائعية المتوخاة، ويناقش شعرهم كذلك.
إذن هناك تقييم عن الاخلاق، ومن هذا التقييم فان القاريء يعرف ان كانت هناك منفعة أم لا. وتقييم الأخلاق يذكرنا بآيات سورة الشعراء، والشاعر المؤمن، أي الشاعر الخلوق، وحسن السيرة، وغزله النظيف الذي لا شائبة فيه، والشاعر غير المؤمن، أي الشاعر غير الخلوق، الفاسق، الماجن، مثل أبو نواس مثلا. فيما يقول عن العباس بن الاحنف ((دون أن يتردى في خلاعتهم ومجونهم)) ص376.
وقد ناقش قبل أكثر من الف سنة الناقد العربي قدامة بن جعفر في كتابه (نقد الشعر) مسألة الأخلاق عند الشاعر، ولو تفحصنا الفهرس لوجدناه يتحدث عن محاسن، وعيوب، أغراض الشعر كافة، كالمديح، والهجاء، والغزل...الخ، وكلها تتحدث عن المنفعة منها أو عدم المنفعة، هذه المنفعة التي تتمثل بالأخلاق القويمة، وغير القويمة، ولو تفحصنا مرجعيته لوجدناها مرجعية اسلامية، ولوجدنا ابن جعفر يبحث عن الشاعر المؤمن، والشاعر غير المؤمن، دون أن يصرح بذلك.
ولو أخذنا غرضا واحدا من الشعر، وهو النسيب لرأينا كمية الأخلاق التي يناقشها المؤلف، وهي منفعة كذلك يصيبها الشاعر، وشعره.
ولو عدنا الى كتاب (الوساطة بين المتنبي وخصومه - تحقيق وشرح: محمد أبو الفضل إبراهيم - مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه) للقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني، وهو عالم موسوعيٌّ، وأديب، وناقد، من أعلام القرن الرابع للهجرة، وعلى الصفحة/ 19 لوجدناه يتحدث عن الأخلاق عند الشعراء بعد مجيء الدين الاسلامي، ويذكر مفردة الأخلاق خاصة، وتأثير الطبع الحضري في ذلك.
هذا ما وددت أن ابينه للصحفي القدير، وللأخوة القراء، من أمور جاءت كرد على تعليقه المنشور على مقالي، فشكرا له لاتاحة الفرصة لبيان بعض الأمور.

ارسال التعليق