فلوس ماكو

 ناطق فرج
كاتب ومترجم | عراقي

 

«فلوس ماكو»... عبارةٌ جاءت على لسان أحد الوزراء وهو يعلن أنَّ الحكومة غير قادرة على دفع رواتب الموظفين، لكنَّها لم تعد مجرّد تصريح عابر، بل أصبحت عنواناً لمرحلة كاملة تختزل واقعًا سياسيًا واقتصاديًا مؤلمًا يعيشه بلاد القهرين. 
وكلمة «ماكو» ذات الأصل السومري تعني: لا يوجد. وحين يُقال: فلوس ماكو، فالمعنى لا يقتصر على خلو الخزينة من الأموال، بل يمتد ليعكس سنوات طويلة من سوء الإدارة والفساد وهدر المال العام... «فلوس ماكو»، يعني لم يبقَ للمواطن سوى فتات الخبز اليابس وماء ملوّث غير صالح للشرب.
منذ عام 2003، تعرَّض هذا البلد لاستنزافٍ مستمر، بينما ظلَّ الفساد يتمدَّد في مؤسسات الدولة حتى أصبح جزءًا من المشهد اليومي. ففي الوقت الذي كان المواطن ينتظر تحسين الخدمات وبناء مؤسسات قوية، ينشغل كثير من السياسيين بتأمين امتيازاتهم الخاصَّة.
فقد أمضى أعضاء في البرلمان دورتين متتاليتين وهم يسعون إلى الحصول على جوازات سفر دبلوماسية، ورواتب ومخصَّصات خيالية، وحمايات ترافقهم أينما ذهبوا. ولم يتوقَّف الأمر عند هذا الحد، بل طُرحت محاولات لضمان رواتب تقاعدية ضخمة مدى الحياة، وكأنَّ المنصب أصبح استثمارًا شخصيًا لا مسؤولية وطنية.
وفي المقابل، تحوَّلت الحقائب الوزارية إلى سلع تُباع وتُشترى بأسعار خيالية، بينما بقيت الوزارات المعنية بالثقافة والتعليم خارج دائرة التنافس الحقيقي، لأنَّها لا تحقّق المكاسب التي يسعى إليها المتصارعون على السُّلطة.
ويزداد المشهد تعقيدًا لأنَّ اقتصاد البلد اقتصادٌ أحادي يعتمد بصورة شبه كاملة على النفط، مما يجعل المالية العامة رهينة لتقلبات أسعار الطاقة والأزمات السياسية. وعندما تتراجع الإيرادات، تكون النتيجة المباشرة هي اللجوء إلى التقشُّف أو التأخر في دفع الرواتب، وكأنَّ الدولة لم تتعلم من أزمات الماضي شيئًا.
وفي الوقت نفسه، لم تُولِ الحكومات المتعاقبة الأمن الغذائي الاهتمام الذي يستحقه. فقد أُهملت الأراضي الزراعية، وتراجع الإنتاج المحلي، وأصبح البلد يعتمد بصورة متزايدة على استيراد المواد الغذائية من دول الجوار، لا سيما تركيا الذي بلغ حجم التبادل التجاري معها 25 مليار دولار عام 2025. إنَّها سياسة قصيرة النظر يدفع المواطن ثمنها عامًا بعد عام، لأنَّها تجعل لقمة عيشه مرهونة بقراراتِ الآخرينَ وتقلُّبات الأسواق الخارجية.
شخصيًا، أرى أنَّ جذور معظم هذه الأزمات ليست سياسية أو اقتصادية، بل هي ثقافية في المقام الأول.
لماذا ثقافية؟
لأنَّنا لم ننشأ على ترسيخ مفهوم المواطنة بوصفه قيمة عليا. فغالبًا ما يكون انتماء الفرد للحزب أو للطائفة أو للعشيرة أقوى من انتمائه للوطن. أما الوطن، فكثيرًا ما يتحوَّل إلى شعار يُرفع في المناسبات والخطب، ثم يُنسى عند تقاسم المناصب والثروات.
المفارقة المؤلمة أن كلمة «وطني» تتصدَّر أسماء كثير من الأحزاب السياسية، بينما يبقى الوطن أبعد ما يكون عن ممارساتها. فالوطن لا يُبنى بالشعارات، وإنَّما بالنزاهة، وسيادة القانون، وتكافؤ الفرص، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الضيقة. 
إنَّ عبارة «فلوس ماكو» ليست وصفًا لأزمة مالية مؤقَّتة، بل هي خلاصة مسار طويل من الفساد وسوء الإدارة وغياب الرؤية. وعندما يصبح المال العام غنيمة، والمنصب مكسبًا شخصيًا، والوطن مجرّد لافتة للاستهلاك السياسي، فلن تكون المشكلة في نقص الأموال، بل في غياب الضمير والمسؤولية.

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق