هل يعيد شبح التسعينيات نفسه؟: رواتب الموظفين ترعب الجميع

 


أثير الشرع/كاتب وباحث عراقي

 


كلما يتم الحديث عن طباعة العملة الورقية لسداد رواتب الموظفين، يستحضر العراقيون ذاكرة التسعينيات، عندما عاش العراقيون تحت وطأة الحصار الإقتصادي، وتعرض الدينار العراقي لإنهيار كبير في قيمته، وتآكلت القدرة الشرائية للمواطن بصورة غير مسبوقة، ففي تلك الحقبة كانت الرواتب تُصرف بأرقام كبيرة، لكنها لم تكن تكفي لتلبية أبسط الإحتياجات اليومية، بسبب التضخم الحاد وإرتفاع الأسعار، صحيح أن الظروف الحالية تختلف؛ فالعراق اليوم يمتلك صادرات نفطية وإحتياطيات من النقد الأجنبي ونظامًا مصرفيًا أكثر تطورًا، بينما كانت البلاد في التسعينيات تعاني عزلة إقتصادية شبه كاملة.
الإقتصاد لا يختلف في قواعده الأساسية، فزيادة الكتلة النقدية دون زيادة موازية في الإنتاج تؤدي إلى ضغوط تضخمية وإنخفاض القوة الشرائية، إن ما يخشاه العراقيون ليس مجرد طباعة أوراق نقدية جديدة، بل تكرار المشهد الذي يفقد فيه الراتب قيمته الحقيقية، فالراتب الذي يضمن حياة كريمة لا يُقاس بعدد الدنانير المكتوبة عليه، وإنما بما يستطيع شراءه من غذاء ودواء وسكن وخدمات.
إن الدرس الأهم الذي خلفته سنوات الحصار هو أن الإستقرار النقدي لا يتحقق بطباعة الأموال، وإنما ببناء إقتصاد منتج، وتنويع مصادر الدخل، وإدارة مالية رشيدة، والحفاظ على إستقلالية البنك المركزي وثقة المواطنين بالعملة الوطنية.
الحديث عن اللجوء إلى طباعة العملة لتأمين رواتب الموظفين أثار جدلاً واسعاً في العراق، خاصة مع الضغوط التي تواجه المالية العامة؛ وبينما يعتقد البعض أن طباعة المزيد من الدنانير تمثل حلاً سريعاً لتجاوز أزمة السيولة، يرى خبراء الإقتصاد أن هذا الخيار قد يحمل مخاطر كبيرة على الإقتصاد الوطني إذا تم بمعناه الحقيقي؛ فمن الناحية الإقتصادية فإن طباعة العملة دون وجود إنتاج حقيقي أو إحتياطيات أو نمو إقتصادي تعني ببساطة زيادة كمية النقود المتداولة مقابل ثبات حجم السلع والخدمات، وهو ما يؤدي إلى إرتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية للمواطنين.
وبذلك قد يحصل الموظف على راتبه كاملاً، لكنه سيكتشف أن قيمة هذا الراتب أصبحت أقل بكثير بسبب التضخم وتبدأ الآثار السلبية بالظهور تدريجياً، وأبرزها:
١-إرتفاع معدلات التضخم. ٢-زيادة أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية.
٣-إنخفاض القيمة الحقيقية للدينار العراقي أمام العملات الأجنبية.
٤-تراجع ثقة المستثمرين بالإقتصاد العراقي.
٥-زيادة الطلب على الدولار والذهب كملاذ آمن، مما يضغط على سوق الصرف.
٦-إرتفاع تكاليف الإستيراد، وهو أمر بالغ الأهمية بالنسبة للعراق الذي يعتمد بصورة كبيرة على السلع المستوردة.
كما أن إستمرار هذه السياسة قد يدفع البنك المركزي إلى إستنزاف إحتياطياته من العملة الأجنبية للدفاع عن سعر صرف الدينار، وهو ما يهدد الإستقرار النقدي على المدى المتوسط؛ لكن في المقابل يجب التمييز بين طباعة العملة وبين خصم حوالات الخزينة أو تمويل الحكومة بأدوات دين قصيرة الأجل، فقد أكد البنك المركزي العراقي أن ما يُتداول بشأن "طباعة العملة" لا يعكس طبيعة العمليات المالية الجارية، موضحاً أن إصدار نقود جديدة بلا مقابل محظور قانوناً، وأن ما يجري هو إستخدام أدوات مالية معروفة عالمياً لتوفير سيولة مؤقتة، تختلف جذرياً عن ضخ أموال جديدة في الإقتصاد دون غطاء.
إن أزمة الرواتب في العراق ليست أزمة نقدية فحسب، بل هي أزمة هيكلية ترتبط بإعتماد الموازنة بصورة كبيرة على الإيرادات النفطية، وإرتفاع فاتورة الرواتب، وضعف الإيرادات غير النفطية، وإستمرار الهدر والفساد المالي والإداري، ولهذا فإن الحلول المستدامة لا تتمثل في زيادة كمية النقد، وإنما في:
١-تنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط.
٢-تعظيم الإيرادات الضريبية والجمركية.
٣-مكافحة الفساد وادإسترداد الأموال العامة.
٤-ترشيد الإنفاق الحكومي.
٥-دعم الإستثمار والقطاع الخاص لتقليل الإعتماد على الوظيفة الحكومية.
قد تبدو طباعة العملة حلاً سريعاً لتوفير السيولة ودفع الرواتب، لكنها إذا تمت بمعناها الإقتصادي الحقيقي فإنها تتحول إلى علاج مؤقت يفاقم المرض، إذ تُفقد العملة جزءاً من قيمتها وتؤدي إلى تضخم يلتهم دخول المواطنين.
أما إذا كان المقصود هو إستخدام أدوات تمويل قانونية مثل خصم حوالات الخزينة، فذلك يختلف من الناحية الفنية والإقتصادية، ويظل مرهوناً بضوابط السياسة النقدية وقدرة الدولة على السداد، لذلك تبقى المعالجة الحقيقية لأزمة الرواتب مرتبطة بالإصلاح الإقتصادي والمالي، وليس بمجرد زيادة كمية النقود المتداولة. 
قد لا يكون العراق اليوم أمام سيناريو مطابق للتسعينيات، لكن التأريخ الإقتصادي يعلّمنا أن الأزمات تبدأ غالبًا بقرارات تبدو سهلة وسريعة، ثم تتحول إلى أعباء طويلة الأمد؛ إن حماية الدينار العراقي ليست مسؤولية البنك المركزي وحده، بل هي مسؤولية الحكومة والسياسات الإقتصادية مجتمعة، لأن إستقرار العملة يعني إستقرار معيشة ملايين العراقيين، ويحول دون عودة ذكريات مرحلة لا يرغب أحد في تكرارها.


ملاحظة: تم الإعتماد على عدة مصادر إقتصادية بما فيها منشورات البنك المركزي العراقي.

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق