حديث عن صون الدبلوماسية الثقافية بين إيران والعراق

 

 

محدثة رضائي/باحثة إيرانية


د. فاضل علي/ باحث ومترجم عراقي

 


يُعدّ استقطاب الطلاب من مختلف أنحاء العالم أحد أبرز مؤشرات الدبلوماسية الثقافية لأي دولة؛ فهو عملية لا ترفع فقط المستوى العلمي والأكاديمي على الصعيد الدولي، بل توفر أيضاً أرضية لتطوير العلاقات الاجتماعية والثقافية بين البلدين، بما يعمّق العلاقات السياسية والاقتصادية وسائر الأبعاد بين الشعوب. وتُعدّ إيران والعراق، بما تتمتعان به من جوار جغرافي وروابط تاريخية وثقافية ودينية عميقة، شعبين قريبين جداً من بعضهما البعض. يضاف إلى ذلك التعاون الاستراتيجي في المجالات الأمنية والاقتصادية والتجارية - وخاصة في المراحل الحرجة كمواجهة الإرهاب أو إدارة أزمات الطاقة والعقوبات - وهو من أبرز عناصر الترابط الوثيق بين الشعبين. كما شكّلت ظواهر مثل الزيارة والسياحة والسياحة العلاجية، وبخاصة استمرار مراسم أربعين الحسيني المهيبة، عوامل معزِّزة للمودة والتواصل بين شعبي البلدين في السنوات الأخيرة.

ومع ذلك، للأسف شهدنا في العام الأخير وقوع حوادث مؤلمة بين طلاب إيرانيين وعراقيين، أثارت - بفعل ردود فعل سلبية من بعض المدوّنين والعناصر غير الواعية في الفضاء الافتراضي بالبلدين - توتراً في الرأي العام لدى الجانبين. ومن اللافت والجدير بالتأمل هنا دور بعض وسائل الإعلام المُصفرّة والمعادية التي تستغل هذه الحوادث لتوسيع دائرة الاحتكاكات وتعميم التوترات على المستوى العام.

ولمعالجة هذه المشكلات من جذورها ومنع تكرارها في الأوساط العلمية والجامعية، يتعين على إيران والعراق تبنّي مقاربة مبدئية ومتخصصة. والنقطة الأولى التي ينبغي الالتفات إليها هي "إدراك عمق المشكلة". فلا يوجد حتى الآن إطار واضح يمكن الاستناد إليه لتفسير التوترات التي وقعت مؤخراً. ويبدو أن نظرية "عتبة الدخول" (Threshold of Entry) قادرة على تفسير هذه المسألة بشكل جيد. فبحسب هذه النظرية، يرى كل سائح بعد دخوله البلد الثاني (المقصد) نفسه أكثر تحرراً من القيود والأعراف الثقافية والتقليدية لكل من بلد المنشأ وبلد المقصد؛ إذ إنه بمغادرته مجتمعه الأصلي يتحرر من قيوده وأعرافه، وبما أنه لا ينوي الإقامة الطويلة في المجتمع المضيف، فلا يرى ضرورة لالتزام أعرافه وتقاليده. وهذا بالطبع لا يعني إطلاقاً تجاهل قوانين البلد المضيف. إلا أن السياح عادة ما ينظرون إلى أنفسهم كضيوف مؤقتين، وتبقى تفاعلاتهم مع المجتمع المضيف سطحية ومحصورة غالباً في نطاق القافلة ودائرة أصدقائهم، مما يقلل من التحديات المتعلقة بالأعراف. لكن وضع قبول الطلاب مختلف تماماً عن وضع السياح. ففي كثير من الدول توجد ضوابط خاصة بالطلاب الأجانب، لم يُولَ - للأسف - في إيران والعراق اهتمام كافٍ بتطبيقها بدقة؛ بحيث يمكن إلى حد ما تفسير وضع الطلاب العراقيين في إيران بالاستناد إلى هذه النظرية.

ولإصلاح هذا المسار، يُقترح إدراج النقاط التالية على جدول الأعمال:

**أولاً**، يجب أن تشمل آلية قبول الطلاب العراقيين في إيران امتحاناً تنافسياً لقياس قدرتهم وإمكانية قبولهم. ففي إيران يخضع المواطنون لامتحان "الكونكور" لدخول الجامعات، ويمكن تطبيق ما يشابه ذلك على الطلاب العراقيين في صورة "امتحان قبول موحّد للجامعات الإيرانية". وبهذا يلتحق بالجامعة من هم على مستوى علمي مقبول، ويصبحون قابلين للمقارنة علمياً مع زملائهم من غير العراقيين.

**ثانياً**، يجب أن تُعقد خلال فترة الدراسة في الجامعات الإيرانية امتحانات دورية موحّدة تشرف عليها وزارة العلوم، على أن تكون صياغة الأسئلة والتصحيح بشكل ممنهج (نظامي) لمنع أي استغلال مالي أو غير علمي، بحيث يسود "العلم" على "التجارة بالعلم".

**ثالثاً**، ينبغي إسكان الطلاب العراقيين وسائر الجنسيات في السكن الجامعي الداخلي (بأقل قدر ممكن من القيود)، ليتعرفوا من خلال مشاركة السكن مع طلاب إيرانيين على ثقافة وعادات البلدين. فالواقع الحالي يُظهر أن كثيراً من الطلاب العراقيين يقيمون في سكن خاص خارج الجامعة، وهو ما يؤدي إلى عزلتهم واقتصار تواصلهم على أقرانهم العراقيين، ويرسّخ لديهم نظرة إلى وضعهم كطلاب أقرب إلى نظرة السائح - وهو أمر غير سليم علمياً.

**رابعاً**، من التحديات الأخرى الاستقطاب العشوائي للطلاب دون مراعاة الفهم والقدرات والطاقات الجامعية والمدينية والإقليمية، وظروف الاستضافة. فغياب المعرفة الكافية بالمناخ الاجتماعي-الثقافي، وانعدام ضوابط جامعية دقيقة ومحددة، يمكن أن يؤدي إلى احتكاك بين السكان والضيوف. لذا يجب أن يكون التدريب التمهيدي - الذي يشمل اللغة (الفارسية) والتعرف على الأعراف الثقافية والاجتماعية - في صدارة الأولويات التعليمية. ويُقترح في هذا الصدد أن يتجمّع جميع الطلاب الأجانب في إيران، لفصل دراسي أو فصلين، في جامعة محددة (مثل جامعة الإمام الخميني الدولية في قزوين)، يخضعون خلالها لدورات في اللغة الفارسية والتعرف على الثقافة العامة والمجتمع الإيراني، وبعد اجتيازهم الامتحانات ذات الصلة، يُرسَلون إلى الجامعة المقصودة لإكمال دراستهم.

**خامساً**، يجب تقليص الدور المباشر لكل جامعة في استقطاب الطلاب الأجانب إلى الحد الأدنى، وأن تبقى الآلية مركزية بيد وزارة العلوم. كما ينبغي أن تؤول معظم العائدات الناتجة عن قبول الطلاب الأجانب إلى وزارة العلوم، في مقابل أن تخصص الوزارة ميزانية أكبر للجامعات. وهذا من شأنه صون المنطق العلمي للساحة الجامعية وتقليل الدافع نحو الاستغلال المادي.

وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن السطحية وغياب التخطيط الدقيق في إدارة استقطاب الطلاب أدّيا إلى وقوع حوادث مؤسفة في جامعات شمال غرب إيران وهمدان، ومؤخراً في سمنان. وفي ظل التوترات الإقليمية في غرب آسيا، يسعى الأعداء دائماً - بهدف إضعاف الروابط بين الشعبين - إلى بث الفرقة، مستغلّين نقاط الضعف القائمة لإحداث شرخ بين الشعبين الإيراني والعراقي. ونأمل أن تصان الطاقات العلمية وجسور التواصل الجيدة بين البلدين، من خلال المراجعة المبدئية وإزالة العوائق والأخذ بتوصيات الخبراء، وأن يُحال دون وقوع حوادث مؤلمة تشوّه الرأي العام وتُكدّر صفو الشعبين.

 

 

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق