بعد الهزيمة الانتخابية.. هل يهرب ترامب إلى حرب انتقامية؟ |
أياد السماوي
كاتب | عراقي
حين يجد السياسي نفسه أمام هزيمة داخلية ثقيلة، يصبح السؤال عن كيفية تعامله معها أكثر أهمية من الهزيمة ذاتها.. وترامب الذي بنى سياسته على الغطرسة واستعراض القوة وفرض الإرادة، يجد نفسه اليوم أمام اختبار صعب: هل يتجه إلى مراجعة حساباته والبحث عن مخرج سياسي لأزمته مع إيران، أم يحاول تعويض خسارته في الداخل بانتصار عسكري في الخارج؟ إنّ الخشية الحقيقية ليست من تهديداته وحدها، بل من أن تتحول الرغبة في استعادة الهيبة السياسية إلى قرار عسكري يدفع ثمنه شعب بأكمله ومنطقة بأسرها.
لم تكن المواجهة مع إيران بالنسبة إلى ترامب مجرد صراع على ملفات سياسية وأمنية، بل تحولت إلى اختبار شخصي لإرادته وقدرته على فرض شروطه.. فقد دخل هذه المواجهة وهو يعتقد أنّ سياسة الضغط والتهديد والقوة العسكرية كفيلة بإخضاع طهران وانتزاع تنازلات منها، لكنه لم يحقق النتيجة التي أرادها، ولم يتمكن من فرض معادلة الاستسلام التي راهن عليها.
وهنا تكمن خطورة المرحلة الراهنة، فترامب لا يتعامل مع الإخفاق السياسي بوصفه نتيجة تستوجب مراجعة الحسابات، بل إنّ شخصيته السياسية تميل إلى اعتبار التراجع إهانة، والخصومة التي لا تنتهي بانتصار واضح هزيمة شخصية لا يستطيع تقبّلها بسهولة.. وإذا أضفنا إلى ذلك خسارته الانتخابية الثقيلة، وما ترتب عليها من فقدان الجمهوريين السيطرة على مجلسي الكونغرس، فإن دوافع التصعيد قد تصبح أكثر تعقيداً وخطورة.
فالرجل الذي خسر معركته الانتخابية، ولم يستطع إخضاع إيران، قد يجد في توجيه ضربة عسكرية جديدة فرصة لاستعادة صورته أمام أنصاره، وإظهار نفسه بمظهر الرئيس القادر على فرض إرادته، حتى لو كان الثمن مغامرة عسكرية واسعة لا يمكن ضمان نتائجها.
وما يزيد من جدية هذه المخاوف أنّ الحديث عن احتمالات استئناف الضربات العسكرية لم يعد مجرد تكهنات إعلامية، فقد تناولت تقارير صحفية تحركات واستعدادات عسكرية أمريكية، ومشاورات داخل الإدارة بشأن الخيارات المتاحة تجاه إيران.. وهذه المؤشرات لا تعني أن قرار الحرب قد اتُّخذ بالفعل، لكنها تكشف أن الخيار العسكري ما زال حاضراً في حسابات واشنطن وبقوة.
والأخطر أنّ أي ضربة أمريكية جديدة قد لا تتوقف عند حدود عملية عسكرية محدودة، بل يمكن أن تتوسع لتشمل القدرات الصاروخية والعسكرية والمنشآت النووية الإيرانية، وربما أهدافاً استراتيجية أخرى.. وفي المقابل، لن تقف إيران مكتوفة الأيدي أمام هجوم جديد، ومن المرجح أن يكون ردها واسعاً ومؤثراً، بما يفتح الباب أمام مواجهة إقليمية يصعب التحكم في نهاياتها.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يواجهه ترامب قبل الإقدام على أي مغامرة عسكرية هو: هل تستطيع القوة العسكرية أن تمنحه الانتصار الذي عجزت السياسة عن تحقيقه؟ وهل يمكن لحرب جديدة أن تمحو آثار هزيمته الانتخابية، أم أنها ستضع الولايات المتحدة أمام استنزاف جديد، وتفتح عليها أبواب أزمة سياسية واقتصادية وأمنية أوسع؟
إنّ الحرب ليست وسيلة لترميم الكبرياء الشخصي، ولا يمكن أن تكون أداة لمعالجة الهزائم الانتخابية.. فالرئيس الذي يقود دولة بحجم الولايات المتحدة مطالب بأن يحسب نتائج قراراته على مصالح بلاده والعالم، لا على جراحه الشخصية ورغبته في الانتقام.
فهل يتقبل ترامب حقيقة أنه لم يستطع إخضاع إيران، أم أن كبرياءه السياسي المجروح سيدفعه إلى شن حرب انتقامية جديدة، يحاول من خلالها غسل هزيمته الانتخابية واستعادة هيبته المفقودة؟ إنّ أخطر ما يمكن أن تواجهه المنطقة هو أن تتحول رغبة رئيس في الانتقام السياسي إلى حرب إقليمية مفتوحة، يدفع ثمنها ملايين البشر، فيما يبقى أصحاب القرار بعيدين عن نيرانها.

ارسال التعليق