حين تصبح الثقافة ترفاً
ناطق فرج
كاتب ومترجم | عراقي
ما هو دور الثقافة؟ بل ما هو دور المثقَّف؟ وهل يمكن أن نتحدَّثَ عن طبقةٍ مثقَّفةٍ في بلدٍ يعيش كلَّ هذه التحولات والتصدُّعات، بينما نرى قسمًا كبيرًا من هذه الطبقة يعيش في كوكبٍ آخر، لا يسمع أنين الناس، ولا يرى ما يجري حوله، ولا يشعر بأنَّ البلد الذي يكتب باسمه يتداعى من حوله؟
ثمَّة مشكلةٌ عميقة في المشهد الثقافي في بلدنا، مشكلةٌ تتجاوز ضعف الإنتاج الأدبي أو تراجع الاهتمام بالقراءة أو غياب المؤسسات الثقافية الفاعلة. إنَّها مشكلة انفصال شبه كامل بين الثقافة والواقع، بين المثقف ومجتمعه، بين ما يُكتب وما يعيشه الناس، وبين ما يُقال في الأمسيات والندوات وما يحدث خارج أبواب القاعات المكيَّفة.
لقد تحوَّلت الثقافة، في جانبٍ واسعٍ من مشهدنا الثقافي، إلى نشاط مغلق على ذاته، يدور في حلقةٍ مفرغةٍ من اللقاءات والأماسي والمهرجانات وتبادل الدعوات والتصفيق والمجاملات. فعاليات لا تنتهي، وأسماء تتكرَّر، ووجوه تتبادل الإطراء، وكُتب تُطبع، وقصائد تُلقى، وصور تُلتقط، ثمَّ ينفضُّ الجمع ليعودَ كلُّ واحدٍ إلى عزلته، وكأنَّ شيئًا لم يكن، وكأنَّ الثقافةَ ليست مطالبةً بأن تتركَ أثرًا في حياة الناس.
ما الجدوى من كلِّ هذه الأنشطة إذا كانت لا تنتجُ وعيًا، ولا تفتحُ نقاشًا جديًّا، ولا تلامسُ جُرحًا واحدًا من جراح المجتمع؟ ما قيمة مهرجان ثقافي لا يرى من البلدِ إلا المنصَّة، ولا يعرف من الناس إلا الحضور الذي يُستدعى للتصفيق؟ وما معنى أن يملأ المثقف وقته بالحديث عن الثقافة، فيما لا يجد المجتمع في خطابه ما يُعينه على فهم واقعِهِ أو مواجهة أزماته؟
أرى أنَّنا أمام ثقافةٍ تحقِّق ذوات أصحابها أكثر مما تخدمُ مجتمعها. ولعلَّ أكثر ما يكشف هذه المفارقة هو طبيعة ما يُنتج ويُكتب. قصائد عن البحر في بلدٍ لا يطلُّ على بحر! وقصائد عن حبِّ يبدو وكأنَّه لا يجد مكانًا له في واقعٍ مثقلٍ بالخوف والفقر والتشظي والعداوات. وروايات تسافر إلى عوالمٍ بعيدة، وتستعير حكايات الآخرين، لكنَّها تتردَّد في الاقتراب من عالمنا، من شوارعنا، من بيوتنا، من مخاوفنا، من تناقضاتنا، ومن ذلك الخراب الذي يتسلَّل إلى تفاصيلِ حياتنا اليومية.
اعتراضي ليس على مَن يكتبُ شعرًا عن البحر، ولا على قصائد الحبِّ، ولا على الرواية التي تتناول عوالم متخيّلة. فالأدب ليس بيانًا سياسيًا، وليس مطلوبًا مِن كلِّ قصيدة أن تحمل شعارًا، أو مِن كلِّ رواية أن تتحوَّل إلى تقريرٍ اجتماعي، لكنَّ السؤال الذي لا مفرَّ منه: أين أدبنا مِن واقعنا؟ أين القصيدة التي تلتقط نبض الشارع؟ أين الرواية التي تُشرِّح بُنية المجتمع، وتكشف تناقضاته، وتقترب من الإنسان الذي يعيش بيننا؟ أين النصُّ الذي يجعلنا نرى أنفسنا بلا مساحيق، ويضع أصابعنا على مواضعِ العطب؟
لماذا لا نسمع أصواتًا شعرية تعبّر عن وجع الناس، وعن الخوف من المستقبل، وعن الخيبات المتراكمة، وعن بلدٍ تتنازعه المصالح والولاءات؟ لماذا يبدو الشأن العام غائبًا عن مساحاتٍ واسعة من إنتاجنا الأدبي، وكأنَّ الكتابة عن المجتمع والسياسة والسلطة والفساد والعدالة الاجتماعية تهمة ينبغي للمثقف أن يتجنَّبها؟
والأكثر إثارة للقلقِ أنَّ هذا الانفصال لا يقتصر على الشعر والرواية. فلا كُتب قيّمة في علم الاجتماع، ولا دراسات سياسية مرموقة تحلّل بُنية السُّلطة، وتفكّك مراكز النفوذ، وتقرأ التحولات التي نمرُّ بها... أين الأبحاث التي تدرس الانقسامات الاجتماعية والثقافية، وتبحث في جذورِ التعصُّب والاستقطاب، وتفسرُّ سبب عجزنا عن بناء دولة ومجتمع متماسكين؟
لا يمكن لمجتمعٍ أن يخرج مِن أزماته مِن دون أن يفهمها أولًا. ولا يمكن أن نبني مستقبلًا مختلفًا ونحن نصرُّ على تجاهلِ الأسئلة التي أوصلتنا إلى هذا الحاضر. لكن يبدو أنَّ جزءًا من مثقفينا يفضّل الأسئلة الآمنة، والموضوعات المريحة، والحوارات التي لا تزعج أحدًا، على الاشتباك مع القضايا الحقيقية.
ثمَّة مشكلةٌ أُخرى أكثر عمقًا، تتعلَّق بعلاقةِ بعض مثقفينا بالماضي. فبدلاً من ممارسة النقد التاريخي والسياسي لتجربة النظام الدكتاتوري البائد، وتفكيك ما خلَّفه من خراب مؤسساتي واجتماعي ونفسي، نجد حنينًا لدى بعضهم إلى ذلك الزمن، وكأنَّ الاستبداد كان مجرَّد تفصيلٍ عابر، أو كأنَّ القمع وإلغاء الحياة العامَّة يمكن تجاوزها بمجرَّد استعادة بعض الذكريات الانتقائية.
أقول: إنَّ الحنين إلى الدكتاتورية ليس موقفًا ثقافيًا بريئًا حين نتجاهل ضحاياها، ونغض الطرف عن آثارها، ونختزل التاريخ في انطباعاتٍ شخصية. والمثقف الذي لا يستطيع التمييز بين الدولة القوية والدولة المستبدة، وبين الاستقرار القائم على المؤسسات والصمت المفروض بالقوة، إنَّما يكشف عن أزمةٍ في فهمِ السياسة ومعنى المواطنة.
وليس أقلّ خطورة من ذلك أن يتحوَّل المقهى، لدى بعض مَن ينتسبون إلى الوسط الثقافي، إلى وطن بديل، وأن تتحوَّل جلساته إلى مسرح يومي للشكوى والتشفي وتوزيع الاتهامات. ساعات طويلة تُهدر في اجترار المواقف نفسها، وفي الحديثِ عن كيفية النيل من البلد، وإثبات فشله، وتمريغ أنفه في الوحل، وكأنَّ تدمير صورته إنجاز ثقافي، وكأنَّ التشاؤم موقف فكري، وكأنَّ كراهية الواقع تعفي صاحبها من مسؤولية تغييره.
مِن السهل أن تسخر مِن بلدك، وأن تتنبّأ بانهياره، وأن تتفنَّن في تعداد عيوبه. الأصعب أن تفهم لماذا وصل إلى ما وصل إليه، وأن تقدّم قراءة جادَّة لأزماته، وأن تقترح طريقًا للخروج منها. النقد الجاد والحقيقي ليس حفلة شتائم، ولا شماتة بالناس، ولا مسابقة في إطلاق الأحكام السوداوية. النقد مسؤولية معرفية وأخلاقية، ومَن لا يملك أدوات الفهم والتحليل لا يصبح مثقفًا لمجرّد أنَّه يجيد التذمُّر.
وثمَّة اختزال آخر لا يقل خطورة، يتمثَّل في إصرار بعض المثقفين على تحميل بلدٍ واحد، أو جهة واحدة، مسؤولية كلِّ ما أصابنا من تأخُّر اجتماعي وسياسي واقتصادي. وكأنَّ أزماتنا المعقَّدة يمكن تفسيرها بعامل خارجي وحيد، وكأنَّ مجتمعنا لا يمتلك تاريخًا من التناقضات والانقسامات، وكأنَّ بُنيتنا الاجتماعية والثقافية والسياسية لا تتحمَّل أيّة مسؤولية عما نحن فيه.
لا شكَّ أنَّ التدخلات الخارجية والسياسات الإقليمية والدولية قد تكون عوامل مؤثرة في مصائر البلدان، لكنَّ تحويلها إلى تفسير شامل لكلِّ شيء ليس تحليلًا سياسيًا، بل هروب من مواجهةِ الذات. إنَّه إعفاء مجاني للمجتمع والنُّخب والمؤسسات من مسؤولياتها، وتقديم وصفة جاهزة لتعطيل التفكير النقدي.
إنَّ المجتمعات لا تنهض بتسمية أعدائها فقط، بل بمعرفة عيوبها أيضاً. وهنا نصل إلى جوهر المعضلة: نحن لا نعاني أزمة ثقافية منفصلة عن بقية الأزمات، بل نعاني خللًا متشابكًا ثقافيًا واجتماعيًا وفكريًا وسياسيًا، وربما نفسياً أيضاً.
نحن نسيج اجتماعي لم ينجح في إنتاج هوية وطنية جامعة. أفكارنا متناقضة تتصارع من دون أرضية مشتركة، وثمَّة تيارات محافظة متشدّدة، وأخرى تحمل تصورات يمينية إقصائية تقترب في بعض تجلياتها من الفاشية، وخطابات لا ترى في الاختلاف حقًّا طبيعيًا، بل تهديدًا ينبغي التخلُّص منه.
في هذا المناخ، كان يفترض بالمثقف أن يكونَ أحد خطوط الدفاع عن العقل، وأن يواجه التعصُّب، وأن يُدافعَ عن التعدّدية، وأن يُرسِّخَ قيم المواطنة والحرية والمساواة، وأن يُساهمَ في بناء مساحة مشتركة يستطيع المختلفون أن يلتقوا فيها مِن دون خوفٍ أو تخوين.
لكن ماذا فعل قسم من مثقفينا؟ بعضهم انخرط في الاستقطاب، وبعضهم اصطف خلف الهويات الضَّيقة، وبعضهم مارس الإقصاء بلغةٍ ثقافية منمَّقة، وبعضهم فضَّل الصمت حين كان الكلام ضرورة، ثمَّ عاد ليتحدَّثَ عن الحريةِ والتنوير في مناسبةٍ ثقافية جديدة!
والأشد إيلامًا أنَّ ثمَّة اتهاماتٍ وشكوكاً متداولة بشأن ارتباط بعض الوجوه الثقافية بجهات سياسية أو خارجية، أو عملها ضمن مشاريع تخدم أجندات لا تتقاطع بالضرورة مع مصالح المجتمع. وهذه مسائل لا يجوز تحويلها إلى أحكام جماعية أو اتهامات بلا أدلَّة، لكنَّها تستحق تحقيقًا جادًا وشفافيةً كاملة بشأن مصادر التمويل، وشبكات المصالح، واستقلال المؤسسات الثقافية، وحدود العلاقة بين المثقف والجهات التي تدعم نشاطه.
فالثقافة التي تفقد استقلالها تتحوَّل بسهولة إلى أداة، والمثقَّف الذي يستبدل ضميره المعرفي بولاء سياسي أو مصلحة شخصية يفقد أهم ما يمنحه صفته الثقافية: القدرة على قول ما لا يرغب الآخرون في سماعه.
إنَّ المشكلةَ ليست في أن يكونَ للمثقَّفِ موقف سياسي، ولا في أن ينحاز إلى رؤيةٍ أو مشروعٍ اجتماعي. المشكلة أن يتخلّى عن استقلاله النقدي، وأن يصبح لسان حال جهة ما، أو مبررًا لسياساتها، أو شريكًا في إبقاء المجتمع داخل دائرة الخراب. فالمثقف ليس موظَّف علاقات عامَّة، وليس بوقًا حزبيًا، وليس واجهة تجميلية لمشاريع سياسية تبحث عن شرعية ثقافية.
لنسأل أنفسنا السؤال الأكثر إزعاجًا: هل ما زلنا نملك طبقة مثقفة بالمعنى الحقيقي للكلمة، أم أنَّنا نملك مشهدًا ثقافيًا مزدحمًا بالأسماء والأنشطة، وفقيرًا بالأثر والمسؤولية؟
ليس المطلوب من المثقفِ أن يحملَ البلدَ على كتفيه، ولا أن يتحوَّلَ كلُّ كاتبٍ إلى ناشطٍ سياسي، أو كلُّ شاعرٍ إلى صاحبِ بيان احتجاجي. وليس من العدلِ أن نحاسبَهُ على كلِّ ما لم يستطع تغييره في مجتمع مثقل بالأزمات. لكن من حقّنا أن نسأله عن موقعه من هذه الأزمات، وعن مساهمته في فهمها، وعن مدى قدرته على إنتاج خطابٍ يحرّر العقل من الخرافة والتعصب والولاءات العمياء.
نحن بحاجةٍ إلى مثقفٍ يقرأ المجتمعَ قبل أن يكتبَ عنه، ويعرف الناسَ قبل أن يتحدَّثَ باسمهم، ويملك شجاعةَ مساءلةِ السُّلطة والمعارضة معًا، ولا يقدِّس الماضي ولا يبرّئ الحاضر، ولا يستبدل التفكير بالحنين، ولا النقد بالتشفّي.
نحن بحاجةٍ إلى كتبٍ في الاجتماع والسياسة، ودراسات تتجاوز الانطباعات والمواقف المسبقة... وبحاجةٍ أيضاً إلى أعمالٍ أدبية تقترب من الإنسان في تفاصيل حياته الحقيقية، ومؤسسات ثقافية مستقلة لا تتحوَّل إلى نوادٍ مغلقة لتبادل المنافع والألقاب. نحن بحاجةٍ إلى ثقافةٍ تعيد الاعتبار للعقل، وتواجه الطائفية والعنصرية والتعصُّب، وتدافع عن حقِّ الاختلاف، وتؤمن بأنَّ بناء الدولة يبدأ ببناء الإنسان، وأنَّ التغيير لا يحدث بالأمسيات الاحتفالية، بل بتراكم المعرفة والوعي والعمل العام.
أما أن يستمرَّ المشهدُ على هذا النحو، حيث يكتب المثقف لنفسه، ويصفِّق لنفسه، ويحتفي بنفسه، ويتبادل مع أقرانه شهادات التفوّق والعبقرية، فيما يبقى المجتمع خارج الصورة، فذلك ليس ازدهارًا ثقافيًا، بل هو شكلٌ من أشكالِ العزلة الجماعية، وربما أحد أعراض الأزمة التي يفترضُ بالثقافةِ أن تساعدَنا على تجاوزها.
إنَّ بلدَنا لا يحتاج إلى مزيدٍ من القصائدِ عن البحرِ بقدرِ ما يحتاجُ إلى مَن يشرح له لماذا يغرق. ولا يحتاج إلى مزيدٍ مِن الكتبِ التي لا يقرأُها أحد، بقدرِ ما يحتاج إلى كتبٍ تساعده على فهمِ نفسه. بلدُنا لا يحتاج إلى مثقفينَ يجيدونَ وصف الخراب فحسب، بل إلى عقولٍ تمتلك شجاعةَ تفكيكه والمساهمة في إعادة البناء.
فالبلد لا يُبنى بالحنين إلى مستبد، ولا بالشماتة بمآسي الناس، ولا بالارتهان لأجندات الخواجات، ولا بالاختباء خلف استعارات أدبية جميلة.
إنَّ الثقافة التي لا تقترب من حياة الناس، ولا تحاول فهم آلامهم وأسئلتهم ومخاوفهم، قد تكون ثقافة من حيث الشكل، لكنَّها تفتقر إلى جوهر وظيفتها الاجتماعية. والمثقف الذي لا يرى في خرابِ بلده قضيةً تستحقُّ المعرفة والمساءلة والمواجهة، ولا يرى في معاناة ناسه ما يستحقُّ أن ينشغل به، عليه أن يُعيدَ النظرَ في معنى الثقافة التي ينتسب إليها، وفي الصفة التي يطلقها على نفسه. فليس كلُّ مَن كَتَبَ كتابًا مثقَّفًا، وليس كلُّ مَن اعتلى منصةً امتلك صوتًا، وليس كلُّ مَن تحدَّث عن الثقافةِ أدّى دور المثقَّف.

ارسال التعليق