مسارات الحرب الأمريكية الإيرانية بعد خسارة الجمهوريين للأغلبية

 أياد السماوي
كاتب | عراقي

 

لم تكن خسارة الحزب الجمهوري للأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين مجرد هزيمة انتخابية عابرة، بل مثّلت تحولاً سياسياً مهماً ستكون له انعكاساته على إدارة الرئيس دونالد ترامب، ولا سيما في ما يتعلق بالحرب مع إيران. فالناخب الأمريكي الذي منح ترامب فرصة الحكم، عاد عبر صناديق الاقتراع ليضع سياساته تحت المساءلة، في رسالة لا يمكن فصلها عن الأعباء الاقتصادية وتداعيات الحرب والتوترات الدولية التي رافقت إدارته.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل ستدفع هذه الخسارة ترامب إلى إنهاء الحرب والعودة إلى طاولة المفاوضات، أم أنه سيواصل سياسة الضغط والحصار، أم يلجأ إلى تصعيد عسكري جديد في محاولة لتغيير المعادلة مع طهران؟
في تقديري، نحن أمام ثلاثة مسارات رئيسية ينبغي مراقبتها لفهم مستقبل هذه الحرب:
المسار الأول: العودة إلى طاولة المفاوضات
يمثل هذا المسار أحد الخيارات المطروحة أمام إدارة ترامب، خصوصاً بعد أن أصبحت الحرب عبئاً سياسياً داخلياً، وأخذت تكلفتها الاقتصادية والشعبية تنعكس على الحزب الجمهوري. إنّ انتقال الكونغرس إلى السيطرة الديمقراطية سيضع الإدارة الأمريكية أمام رقابة أشد، وضغوط متزايدة لمراجعة كلفة الحرب وأهدافها ونتائجها. وقد يجد ترامب في العودة إلى المفاوضات مخرجاً سياسياً يسمح له بإنهاء المواجهة، وتقديم أي اتفاق محتمل باعتباره نتيجة للضغط الأمريكي، وليس تراجعاً أمام إيران.
ومن جانبها، قد تجد طهران في التحوّل السياسي الأمريكي فرصة للدخول في مفاوضات من موقع تفاوضي مختلف، وصولاً إلى تسوية تعيد ترتيب الملفات الخلافية وتوقف الحرب وتفتح الطريق أمام خفض التوتر في المنطقة.
المسار الثاني: استمرار الضغط والحصار
قد يختار ترامب مساراً وسطاً، يقوم على تجميد المواجهة العسكرية الواسعة، مع الإبقاء على سياسة العقوبات والضغط الاقتصادي والحصار البحري، بهدف إجبار إيران على تقديم تنازلات دون الدخول في حرب مفتوحة جديدة.
وهذا المسار يتيح للإدارة الأمريكية الاستمرار في ممارسة الضغط على طهران، مع تجنب الكلفة السياسية والعسكرية المتزايدة للمواجهة المباشرة. لكنه، في المقابل، لا ينهي الحرب فعلياً، بل ينقلها من ساحات الاشتباك العسكري إلى ساحات الاقتصاد والتجارة والملاحة البحرية. وقد يكون هذا المسار الأكثر تعقيداً بالنسبة لدول المنطقة؛ لأنه يبقي أسباب التوتر قائمة، ويجعل احتمالات تجدد المواجهة العسكرية حاضرة في أي لحظة.
المسار الثالث: التصعيد العسكري
لا يمكن استبعاد هذا الاحتمال، خصوصاً إذا شعر ترامب أنّ العودة إلى المفاوضات ستُفسَّر باعتبارها تراجعاً أمريكياً أمام طهران، أو أنّ سياسة الضغط والحصار لم تحقق النتائج التي يريدها.
وتشير التقارير المتداولة في واشنطن إلى وجود انقسام داخل إدارة ترامب بشأن الخطوة المقبلة؛ فهناك اتجاه يدفع نحو استئناف الضربات العسكرية، واتجاه آخر يفضّل مواصلة الضغط الاقتصادي والبحري وإعطاء الدبلوماسية فرصة جديدة. وقد برز نائب الرئيس جي دي فانس ضمن الأصوات الداعية إلى البحث عن تسوية سياسية.
لكن التصعيد العسكري يحمل مخاطر تتجاوز حدود المواجهة الأمريكية الإيرانية؛ فإيران قد ترد بتوسيع نطاق المواجهة، وقد تتعرض الملاحة في مضيق هرمز لمزيد من الاضطراب، بما ينعكس على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. كما أن أي حرب واسعة جديدة ستضع ترامب أمام اختبار سياسي واقتصادي بالغ الصعوبة، في ظل خسارة حزبه الأغلبية في الكونغرس.
العراق في قلب هذه المسارات
لا يستطيع العراق أن يقف متفرجاً على هذه التطورات؛ فموقعه الجغرافي وعلاقاته مع طرفي الصراع يجعلان منه أحد أكثر البلدان تأثراً بمآلات المواجهة.
فالعودة إلى المفاوضات ستمنح العراق فرصة مهمة لاستعادة الاستقرار الاقتصادي والأمني، واستئناف مسارات التنمية والاستثمار بعيداً عن مخاطر الحرب. أما استمرار الحصار والضغط، فسيبقي الاقتصاد العراقي أمام مخاطر اضطراب صادرات النفط والملاحة البحرية. وفي حال التصعيد العسكري، فإنّ العراق سيكون أمام تحديات أمنية واقتصادية أشدّ خطورة، قد تطال سيادته واستقراره ومصالحه الحيوية. ومن هنا تبرز أهمية أن تتعامل الحكومة العراقية مع المرحلة المقبلة بعقلية الدولة، وأن تضع خططاً احترازية لجميع الاحتمالات، بعيداً عن الرهان على انتصار طرف أو هزيمة طرف آخر.
إنّ خسارة الجمهوريين للأغلبية في مجلسي الكونغرس لم تُنهِ الحرب، لكنها غيّرت البيئة السياسية التي تُدار فيها، ووضعت ترامب أمام معادلة أكثر تعقيداً من السابق. فهو اليوم أمام ثلاثة خيارات: التفاوض لإنهاء الحرب، أو مواصلة الضغط والحصار، أو العودة إلى التصعيد العسكري. ولكل خيار حساباته وتكاليفه ومخاطره.
واللافت أن نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس حمّل الحرب صراحة مسؤولية الهزيمة الانتخابية، حين كتب أنّ سبب الخسارة هو الحرب، في موقف يكشف حجم الانقسام داخل الإدارة الأمريكية نفسها. لكنّ السؤال الذي سيبقى مفتوحاً هو: هل سيختار ترامب إنهاء الحرب حفاظاً على ما تبقى من رصيده السياسي، أم سيغامر بتصعيد جديد محاولاً فرض انتصار عسكري يعوّض به خسارته السياسية؟
إن الأيام والأسابيع المقبلة ستكشف أي المسارات الثلاثة سيتقدم، وستكون نتائج هذا الاختيار أبعد من حدود واشنطن وطهران، لتطال مستقبل المنطقة بأسرها.

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق