كيف قرأ الشعب الأمريكي نتائج الانتخابات؟
أياد السماوي
كاتب | عراقي
لم تكن نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية مجرد خسارة انتخابية للحزب الجمهوري، ولا مجرد انتقال للأغلبية البرلمانية من حزب إلى آخر، بل كانت رسالة سياسية واضحة من الناخب الأمريكي إلى الرئيس دونالد ترامب وإدارته، مفادها أنّ ثمة حدوداً لما يمكن أن يتحمله الأمريكيون من سياسات اقتصادية وخارجية، وأنّ صناديق الاقتراع تبقى الوسيلة الأهم لمحاسبة السلطة.
لقد قرأ الأمريكيون هذه الانتخابات باعتبارها فرصة لمحاسبة ترامب على حصيلة عامين من حكمه، ومراجعة السياسات التي وعدهم بأنها ستجعل أمريكا أكثر قوة وازدهاراً، فإذا بها تضع البلاد أمام انقسامات سياسية واقتصادية وتوترات دولية متصاعدة.
وتكشف استطلاعات الناخبين عن حقيقة مهمة، فقرابة تسعة من كل عشرة ناخبين اعتبروا تكاليف المعيشة عاملاً أساسياً أو مهماً في اختيارهم، فيما حمّل نحو ثلثي الناخبين ترامب مسؤولية ارتفاع الأسعار، وأعرب ثلاثة أرباعهم عن غضبهم أو عدم رضاهم عن الاتجاه الذي تسير فيه البلاد. وهذه الأرقام تكشف أن الناخب الأمريكي لم يعد يقيس نجاح الإدارة بالشعارات الانتخابية، بل بما يلمسه في حياته اليومية من أسعار الوقود والغذاء والخدمات وفرص العمل.
ولم تكن الحرب مع إيران بعيدة عن هذه الحسابات، إذ أظهرت استطلاعات يوم الانتخابات أنّ نحو ستة من كل عشرة ناخبين يرون أنّ قرار الدخول في العمل العسكري ضد إيران كان قراراً خاطئاً، وأنّ الحرب أصبحت أحد العوامل المؤثرة في خياراتهم الانتخابية. فالأمريكي الذي يواجه ارتفاع تكاليف المعيشة لا يرى بالضرورة مصلحة بلاده في الدخول بحرب خارجية مفتوحة، تستنزف الأموال وتزيد المخاطر وتضع الاقتصاد أمام أعباء إضافية.
لكنّ الرسالة الأمريكية لم تتوقف عند الاقتصاد والحرب، فقد عبّر الناخبون أيضاً عن رغبتهم في وجود كونغرس يمارس دوره الرقابي، ويضع حدوداً للقرارات الرئاسية المنفردة. وأظهرت استطلاعات الانتخابات أنّ نحو سبعة من كل عشرة ناخبين يرون أنّ الكونغرس لم يقم بما يكفي من الرقابة والتوازن في مواجهة صلاحيات الرئيس.
وهنا تكمن إحدى أهم دلالات هذه الانتخابات، فالأمريكيون لم يصوّتوا فقط ضد مرشحي الحزب الجمهوري، بل صوّت قطاع واسع منهم من أجل استعادة التوازن بين السلطات، ومنع تركيز القرار السياسي والعسكري والاقتصادي بيد الرئيس وحده.
أما ترامب نفسه! فقد كان أحد أبرز الخاسرين في هذه الانتخابات، إذ إنّ عدداً من المرشحين الذين دعمهم شخصياً خسروا مواقعهم، حتى في ولايات كانت تُعد معاقل تقليدية للجمهوريين. وهذا يكشف أنّ تأييد الرئيس لم يعد كافياً لضمان الفوز، وأنّ الولاء الشخصي له لا يعوّض بالضرورة ضعف المرشح أو إخفاق السياسات التي يدافع عنها.
ومع ذلك، ينبغي ألا نقرأ فوز الديمقراطيين باعتباره تفويضاً شعبياً مطلقاً لحزبهم، فالاستطلاعات نفسها أظهرت أنّ شعبية الحزب الديمقراطي لم تكن مرتفعة بصورة استثنائية، وأنّ قسماً من الناخبين الذين صوّتوا لمرشحيه فعلوا ذلك رغبةً في التغيير ومحاسبة الإدارة القائمة، لا اقتناعاً كاملاً بجميع سياساته.
إنّ الخلاصة الأهم لهذه الانتخابات أنّ الشعب الأمريكي أراد أن يقول إنّ الرئاسة ليست شيكاً على بياض، وإنّ القوة العسكرية والاقتصادية للولايات المتحدة لا تعفي الإدارة من مسؤولية نتائج قراراتها، وإنّ السياسة الخارجية لا يمكن فصلها عن مصالح المواطن الأمريكي وأمنه ومستوى معيشته.
وبالنسبة للحرب مع إيران، فإنّ الرسالة تحمل دلالة إضافية، استمرار الحرب لم يعد مجرد قرار تتخذه الإدارة الأمريكية، بل أصبح قضية داخلية لها ثمن انتخابي وسياسي، وستواجه إدارة ترامب ضغوطاً أكبر لتبرير استمرارها أمام الكونغرس والرأي العام.
لقد قال الأمريكيون كلمتهم في صناديق الاقتراع، ولم تكن رسالتهم مجرد تغيير في موازين الكونغرس، بل تذكيراً بأن الرئيس الذي يصل إلى البيت الأبيض بأصوات الشعب، يمكن أن يجد في صناديق الاقتراع نفسها حكماً على سياساته وقراراته.

ارسال التعليق