عثرات ترامب
رياض الفرطوسي
كاتب | عراقي
يبدو أن العجلات التي لطالما تفاخر دونالد ترامب بقدرته على تحريكها بسرعة فائقة قد علقت هذه المرة في وحل الواقعية السياسية؛ فلا وعوده الانتخابية الرنانة في الداخل الأمريكي تجد طريقاً سهلاً للتنفيذ، ولا ملفات الصراعات الدولية الساخنة تنصاع لأسلوبه المفضّل القائم على "عقد الصفقات" السريعة.
تتجلى هذه الحقيقة بوضوح اليوم في أنقرة، حيث يجد الرئيس الأمريكي نفسه محاطاً بأجواء مشحونة في قمة استثنائية لحلف شمال الأطلسي (الناتو). هناك، خلف الأبواب المغلقة، لا مكان للخطابات الحماسية؛ فالأوروبيون يطالبون بخطط ملموسة لرفع كفاءة التصنيع العسكري، بينما ترتعد فرائص دول مثل بولندا وفنلندا من شبح المادة الخامسة للحلف، والتي تعني أن أي شرارة روسية طائشة عبر الحدود قد تجر العالم بأسره إلى مواجهة مدمرة. وفي حين تتحدث التقارير الواردة من أروقة واشنطن وبروكسل عن فاتورة دعم تسليحي لأوكرانيا قد تلامس عتبة الثمانين مليار دولار، يبدو قطار ترامب الدبلوماسي متوقفاً؛ فلا ضغوطه المتواصلة على زيلينسكي أثمرت تنازلاً، ولا "كيمياؤه الخاصة" مع بوتين نجحت في كبح جماح الصواريخ التي باتت تنهال على الأهداف الحيوية والمدنيين في العمق.
لكن الميدان الأوكراني ليس الصداع الوحيد في رأس ترامب خلال هذه الزيارة؛ فالملف الثنائي مع "صديقه اللدود" رجب طيب أردوغان يحمل قنبلة موقوتة أخرى عنوانها إيران. ووفقاً لتسريبات الدوائر الدبلوماسية التركية والأمريكية، فإن ترامب يحاول الاستعراض بورقة خفض التصعيد، متباهياً بأنه كبح اندفاعة تركية لحماية طهران في المواجهة الأخيرة، في وقت تغلي فيه المنطقة على وقع حرب كلامية غير مسبوقة بين أردوغان ونتنياهو. يصل ترامب إلى تركيا مثقلاً بملفات معقدة وحقائب مليئة بالأزمات، ليجد نفسه وجهاً لوجه أمام حقيقة مريرة: إن إدارة العالم من المقعد البيضاوي أعقد بكثير من إدارة إمبراطورية عقارية، وأن حلفاء الأمس وأعداء اليوم لم يعودوا يكتفون بالوعود.

ارسال التعليق