حرب المليارات السائبة
رياض الفرطوسي
كاتب | عراقي
لم تكن جلبة السلاح التي أيقظت بغداد من نومها المحصّن فجر الأحد الماضي الماضي مجرد ملاحقة أمنية عابرة، بل كانت انعكاساً لارتطام قديم بين سلطة تحاول استرداد هيبة الدولة، وسلطة موازية نمت في العتمة وظنّت أنها فوق الحساب. حين اقتحمت قوات النخبة لمكافحة الإرهاب أسوار المنطقة الخضراء لتقتاد 47 مسؤولاً من الطراز الثقيل (بين نواب، ووزراء سابقين، وحيتان يتحكمون بشريان النفط) كان المشهد يختزل مأزق بلد يُراد له أن يُدار بالبندقية حين تعجز القوانين. ويطرح السؤال الأكثر إلحاحاً: هل نحن أمام ولادة حقيقية لدولة المؤسسات، أم بصدد فصل جديد من فصول تصفية الحسابات الكبرى؟.
هذه الخطوة المباغتة التي هندسها رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي، بدت كإعلان حرب شاملة على الفساد، لكن توقيتها يفصح عن أبعاد أعمق؛ فالضربة نُفِّذت بالتزامن مع وجود وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في العاصمة، وقبيل توجه الزيدي في رحلة حاسمة إلى واشنطن. يكشف هذا التزامن عن رغبة في تقديم "أوراق اعتماد سياسية" للجانب الأميركي عبر التضحية بأسماء أُدرجت سابقاً على قوائم العقوبات الدولية لإثبات جدية الحكومة في تفكيك شبكات الظل التي تغذي بعض الجهات المسلحة، وبالتالي إغراء الشركات الغربية بالاستثمار في بيئة يُزعم أنها باتت آمنة.
لكن تشريح الأزمة يثبت أن اختزال المشهد في مجرد "بطولة بوليسية" هي مقاربة قاصرة لا تلامس الجذور؛ فالمجتمع الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة، لم يكن يوماً غافلاً عن هذه المأساة. منذ عام 2003، تبخر ما يربو على 240 مليار دولار من خزائن الدولة، وكانت تقارير مكتب المفتش العام الأميركي لإعادة إعمار العراق (SIGIR)، لاسيما وثيقة "دروس قاسية"، تضع أمام واشنطن خرائط تفصيلية لتبديد الثروات. ومع ذلك، غضّت الإدارة الأميركية الطرف طويلاً، مفضلةً ترك الثروة سائبة لشراء الولاءات وصناعة "استقرار هش"؛ فالنخبة السياسية التي يسهل ابتزازها بملفاتها المالية هي الأسهل انقياداً، بعد أن استبدلت شعاراتها التاريخية بأرقام الحسابات السرية وعقارات الفاخرة في أوروبا، ودول الخليج، وتركيا.
لقد أنتج هذا المناخ هيكلية مشوهة قُسِّمت فيها الوزارات كـ "إقطاعيات حصرية" للكيانات الحزبية لتأمين تمويلها، وتغذية أجنحتها المسلحة. إن اختلال المنظومة لا يعود إلى سلوكيات طائشة لموظف أو مدير مرتشٍ، بل إن نمط الحكم السائد نفسه يتغذى على هذا التدفق المالي غير الشرعي. وما يجعل هذا الواقع محصناً هو البيئة القانونية العتيقة التي تعود لنصوص شُرّعت في ستينيات القرن الماضي؛ إذ لا تتجاوز عقوبة اختلاس مبالغ فلكية حكماً بالسجن لمدد قصيرة، مما يحول المداهمات الأخيرة إلى مجرد تصفية حسابات ضيقة بين أقطاب متصارعة لإعادة اقتسام الكعكة، لتنتهي المعركة دون تغيير حقيقي في جوهر النظام.
هنا يبرز التحدي البنيوي الأخطر الذي يواجه رئيس الحكومة؛ فالرجل، بنواياه الجادة وخلفيته الاقتصادية، يحاول بصدق إدخال تقاليد الحوكمة والنزاهة إلى جسد دولة مريض بالفساد المهيكل. غير أن هذه الجدية تصطدم بواقع مرير، حيث لا تجدي أدوات التخطيط السليم والالتزام الأخلاقي نفعاً مع طبقة سياسية تحتمي بمتاريس المحاصصة وتفتقر لأي ثقافة مؤسسية. إن خطورة الموقف تكمن في أن الجهد الحكومي، مهما بلغت صرامته، قد يؤول إلى ملاحقة "اليرقات" الظاهرة على السطح، بينما يظل "المستنقع" العميق قادراً على تفريخ الأزمات وإفراز قيم اجتماعية مشوهة جعلت من "الشطارة" والنصب بديلاً للصعود في مجتمع سُدّت أمام أجياله الشابة نوافذ التنافس الشريف. هذا الانسداد هو ما يثير قلق الدوائر الغربية؛ رعباً من انفجار شعبي عارم وغير منضبط قد يولد من رحمه تيار وطني جارف يقلب الطاولة خارج حدود السيطرة، لشعب عُرف تاريخياً بتحولاته المباغتة التي تعجز أكثر خوارزميات التنبؤ الغربية دقة عن رصدها.
إن تفكيك هذه البنية الفاسدة لا يتطلب زيادة في أعداد السجون، بل يتطلب إعادة هندسة الإجراءات عبر التحول الرقمي الشامل وإقصاء العامل البشري؛ فالفساد ينمو في عتمة المعاملات الورقية وطوابير المراجعة التي تمنح الموظف سلطة الابتزاز. الحل الجذري يكمن في رقمنة كافة الخدمات (من جمارك، وضرائب، وتسجيل عقاري)، وتدشين منصة موحدة ومكشوفة للرقابة على مناقصات الدولة، بالتوازي مع أتمتة البنك المركزي ومزادات العملة لقطع قنوات التهريب وتجفيف الشرايين المالية للفصائل.
هذا التحول نحو "الدولة الرقمية" أثبت نجاعته عالمياً؛ فجمهورية إستونيا تدير اليوم 99% من تعاملاتها عبر فضاء سيبراني مشفر، وفي سنغافورة يمنع نظام "الأمة الذكية" أي مسؤول من استعراض بيانات المواطن دون أمر قضائي مع إرسال تحذير فوري لهاتفه. أما في هولندا، فإن الدولة تدير نظام البوابة الموحدة DigiD والبريد الحكومي الرقمي الآمن MijnOverheid؛ حيث تلاشت الحاجة تماماً للمواجهة البصرية مع الموظف التقليدي، وتتدفق المعاملات، والرواتب، والتسويات الضريبية، والمساعدات مباشرة وبشكل آلي إلى الحساب البنكي للمواطن، سواء كان داخل الأراضي الهولندية أو خارجها، مما جعل المنظومة محصنة بالكامل ضد المزاجية البشرية وثغرات الابتزاز الإداري.
إن تشييد "الدولة التكنوقراطية الرقمية" ليس مجرد ترف تقني، بل هو المعركة الحقيقية والوحيدة الكفيلة برفع يد الأحزاب عن مفاصل البيروقراطية الحكومية، وتحويل إدارة الثروة الوطنية إلى خوارزميات محايدة لا تقبل المساومة ولا تخضع لترهيب السلاح. حينها فقط، سينشف المستنقع تلقائياً من منابعه، وتضيق المساحة أمام يرقات الإفساد الإداري التي عطلت الحياة في بلاد الرافدين. وبدون هذا الانعطاف الهيكلي الشجاع والمغادرة الكاملة لعصر الورق والتواقيع المأجورة، ستبقى هذه المداهمات الصاخبة مجرد مسكّن مؤقت ينتهي مفعوله مع خفوت الضجيج الإعلامي، لتستمر المليارات السائبة في تدوير نفسها، وإعادة إنتاج طبقة جديدة من أمراء الفساد.

ارسال التعليق