من هرمز إلى بكين: كيف كسرت إيران الهيمنة وأربكت واشنطن؟
حسين سالم - العراق
في خضم زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين، انشغل المتابعون بأسئلة تتجاوز مجرد الدبلوماسية الروتينية، أسئلة تحمل في طياتها طعم الهزيمة والانتصار، ومذاق التحالفات المتغيرة في عالم مشاغب كالذي نعيشه. هل تنقذ الصين ترامب من هزائمه في إيران؟ وما هي شروط طهران «التعجيزية» للعودة إلى المفاوضات؟ وما هي الأسلحة الصينية الخطيرة التي أفشلت العدوان الأمريكي الإسرائيلي وتقلق واشنطن؟ ولماذا لا نتوقع نجاحاً كبيراً لهذه الزيارة؟أحب أن أبعث هذه الأسئلة مجدداً، ولكن بطريقة أخرى: ماذا نريد من الصين في هذا السياق الدامي؟ هل هي مجرد وسيط تجاري يُستدعى لإنقاذ إمبراطورية متعثرة، أم هي شريك استراتيجي يقف مع الحق في وجه الغطرسة؟ من قبل أشهر، شن العدوان الأمريكي الإسرائيلي حربه على إيران في 28 فبراير 2026، ضارباً عرض الحائط بالقانون الدولي، وقتلاً للقائد الأعلى وتدميراً لمنشآت، ثم جاء الرد الإيراني بالصواريخ والطائرات المسيرة، وأغلق مضيق هرمز، وأصبحت الحرب على «دعم الحياة». واليوم، يأتي ترامب إلى الصين – الدولة التي اشترت النفط الإيراني رغم الحصار، والتي دفعتهـا إيران إلى الوساطة في الهدنة الهشة – يرجو مساعدتها لإخراجه من مستنقع إيراني لم يكن يتوقعه.
ترى هل تنقذ الصين ترامب من هزائمه؟ بنظر الإيرانيين، الجواب لا، وبكل وضوح. فالصين ليست خادمة لواشنطن، ولا هي المنقذ الذي يُطلب منه أن يضغط على طهران للتنازل عن سيادتها. نعم، ساهمت الصين في دفع إيران نحو هدنة أبريل الماضي، لكن ذلك كان دفاعاً عن الاستقرار الإقليمي وعن مصالحها في الطاقة، لا خيانة للحليف.
اليوم ترامب يريد من شي جين بينغ أن يقنع طهران بإعادة فتح هرمز و«صفقة» نووية على مقاسه، لكن الإيرانيون يرون في ذلك استجداءً من رئيس يدرك أن حربه لم تحقق إلا الخسائر: مليارات الدولارات، ومئات السفن المتوقفة، وصورة أمريكية مهزومة. الصين لن «تنقذ» ترامب لأنها تعرف أن إيران ليست دولة تُباع في سوق المساومات.وما هي شروط طهران «التعجيزية» للعودة إلى المفاوضات؟ هنا تكمن المفارقة الكبرى. يصفها الغرب بـ«التعجيزية» لأنها تطالب بحقوق بديهية: تعويضات عن الدمار الذي لحق بالبلاد، رفع كامل للعقوبات، إنهاء الحصار البحري الأمريكي، الإفراج عن الأصول المجمدة، اعتراف بسيادة إيران الكاملة على مضيق هرمز، وضمانات قانونية ملزمة بعدم تكرار العدوان، وتأجيل أي نقاش نووي إلى مرحلة لاحقة بعد السلام الدائم. بنظر الإيرانيين، هذه ليست شروطاً تعجيزية، بل هي الحد الأدنى للكرامة الوطنية. كيف يُطلب من شعب قاوم العدوان أن يقبل «صفقة» تُعيد ترامب إلى البيت الأبيض منتصراً دون أن يدفع ثمن جرائمه؟ إنها شروط تذكرنا بما قاله الإمام الخميني ذات يوم: «لا نريد الحرب، لكننا لا نخشاها». أما من يصفها بالتعجيزية فهو من يريد أن يفرض الاستسلام تحت ستار «الدبلوماسية».وأما الأسلحة الصينية الخطيرة التي أفشلت العدوان الأمريكي الإسرائيلي وتقلق واشنطن؟ فهي ليست صواريخ تُطلق من بكين، بل تكنولوجيا ذكية غيرت موازين الميدان: نظام «بيدو» الصيني للملاحة الذي حل محل الـGPS الأمريكي في توجيه الصواريخ الإيرانية بدقة، ورادارات مضادة للطائرات الشبحية مثل YLC-8B التي كشفت الـF-35 والـF-22، وتقنيات الحرب الإلكترونية، والمكونات المزدوجة الاستخدام في الوقود الصاروخي والرادارات، وحتى الدعم الاستخباراتي عبر الأقمار الصناعية. بنظر الإيرانيين، هذه الأسلحة لم تكن «هجوماً» صينياً مباشراً، بل دعماً للدفاع المشروع عن السيادة. أفشلت عشرات الغارات، ومكنت الرد الإيراني من الوصول إلى أهدافه رغم التفوق التكنولوجي الأمريكي الإسرائيلي. وهي تقلق واشنطن لأنها تثبت أن عصر الهيمنة الأحادية انتهى، وأن الصين أصبحت قادرة على تغيير قواعد اللعبة دون إطلاق رصاصة واحدة.
أخيراً.. لماذا لا نتوقع نجاحاً كبيراً لهذه الزيارة؟
لأن ترامب يذهب إليها ضعيفاً، يبحث عن «انتصار» يغطي فشله في إيران، بينما الصين تعرف حدودها ومبادئها. لن تضغط بكين على طهران للتنازل عن شروطها العادلة، فذلك يتعارض مع شراكتها الاستراتيجية الـ25 عاماً مع إيران، ومع مصالحها في طريق الحرير، ومع صورة الصين كمدافعة عن السيادة في عالم متعدد الأقطاب. الزيارة ستكون عن التجارة والرسوم الجمركية وربما صفقات الطائرات، أما إيران فستبقى «على قيد الحياة» في المفاوضات، لا تُباع في بكين.المفارقة هنا كبيرة، لكننا نعبرها بهذيانات دبلوماسية لا تعير اهتماماً للأسئلة الجادة. هل يمكن الاستغناء عن المقاومة فعلاً؟ أليس كل مرافق الحياة الدولية تحتاج إلى معنى وهدف هو المعادل الخفي لفكرة السيادة؟ التجارة تحتاج إلى كرامة، والطاقة تحتاج إلى عدل، والحرب تحتاج إلى درس. في الغالب تشغلنا العادة عن التفكر، ونسبح في بركة من الرتابة الجيوسياسية بدلاً عن السؤال: أين نضع الصين في معادلة إيران؟ أين نضع السؤال عن الحق؟لهذه الزيارة... كيف ننعش التوازن الحقيقي؟ نحتاج إلى طاولة حوار طويلة ومكاشفات جادة يتصدى لها مثقفو الاستراتيجية لا المزاولة العابرة.

ارسال التعليق