شيعة العراق: أوان الدولة

د. حيدر زويّر

يواجه العقل السياسي الشيعي في العراق اليوم مخاضاً وجودياً يتجاوز حدود الصراع التقليدي على السلطة، ليصل إلى جوهر الهوية السياسية: هل الشيعة في العراق "طليعة ثورية" ضمن مشروع أممي، أم هم "عماد الدولة" وراعي ديمومتها؟ إن التدقيق في البنيات التحتية للحالة العراقية يكشف أن خيار "الدولة" ليس مجرد ترف سياسي أو مناورة تكتيكية، بل هو قدر تفرضه معطيات أنثروبولوجية، اقتصادية، وحضارية لا تتوفر في أي نموذج إقليمي آخر.

د. حيدر زويّر
يواجه العقل السياسي الشيعي في العراق اليوم مخاضاً وجودياً يتجاوز حدود الصراع التقليدي على السلطة، ليصل إلى جوهر الهوية السياسية: هل الشيعة في العراق "طليعة ثورية" ضمن مشروع أممي، أم هم "عماد الدولة" وراعي ديمومتها؟ إن التدقيق في البنيات التحتية للحالة العراقية يكشف أن خيار "الدولة" ليس مجرد ترف سياسي أو مناورة تكتيكية، بل هو قدر تفرضه معطيات أنثروبولوجية، اقتصادية، وحضارية لا تتوفر في أي نموذج إقليمي آخر.

أولاً: مركزية النجف 
تمثل المرجعية الدينية في النجف الأشرف بنيةً مؤسسية فريدة تمنح الحالة العراقية خصوصية استراتيجية، فبخلاف النماذج التي تنصهر فيها القيادة الروحية في المشروع السياسي الحركي، تكرس النجف مدرسة "الاستقلال البنيوي" القائمة على ركيزتين:
الاستقلال المالي: إن اعتماد المؤسسة الدينية على نظام "الخمس" العابر للحدود، بعيداً عن ميزانيات الدول، يمنحها حصانة موضوعية ضد التطويع، ويجعلها سلطة معنوية عابرة للضغوط.
المنهج "الدولتي": تاريخياً، تؤكد النجف أن حماية المجتمع تمر عبر تقوية "مؤسسات الدولة" لا استبدالها بكيانات موازية، هذا التمايز يجعل من الصعب صهر الشيعة العراقيين في بوتقة قيادية أحادية تتحرك وفق أجندات خارجية.

ثانياً: الريعية والارتهان الدولي 
لا يمكن الحديث عن "ثورة" بمعزل عن لغة الأرقام. فالعراق كيان مندمج قسرياً في النظام المالي العالمي، مما يخلق "عنق زجاجة مالي" لا يمكن تجاوزه بالخطابات الأيديولوجية:
الرادع البنيوي: إيداع عائدات النفط في البنك الفيدرالي الأمريكي يجعل أي تصادم كلي مع المنظومة الدولية بمثابة "انتحار اقتصادي" يطال لقمة عيش الملايين.
مسؤولية القاعدة الاجتماعية: بما أن الشيعة يمثلون الكتلة البشرية الأكبر المسؤولة عن تسيير مرافق الدولة، فإن تكلفة أي انهيار هيكلي ستتحملها هذه القاعدة أولاً، مما يحول منطق الدولة من خيار سياسي إلى مسؤولية أخلاقية ووجودية.

ثالثاً: أنثروبولوجيا السلطة 
ثمة فارق جوهري بين "فصيل" (كما في نماذج إقليمية أخرى)، وبين مكون يمثل العمود الفقري للجهاز البيروقراطي والعسكري للدولة. وهنا تبرز "الفاعلية السياسية المتقدمة" لشيعة العراق بحكم غالبيتهم السكانية:
التحول من الثورة إلى الإدارة: المسؤول الشيعي في العراق يدرك اليوم أن مصدر قوته مستمد من "سيادة الدولة" وقانونها، وليس من شرعية السلاح 
التعددية الرادعة: النسيج الشيعي العراقي (العشائري، المدني، الحوزوي) عصيُّ على التدجين تحت تنظيم حديدي واحد، وهي تعددية لا تستوعبها إلا الدولة الحديثة.

رابعاً: العراق كـ "مركز" لا كـ "طرف"
يتميز شيعة العراق بامتلاكهم "العمق الحضاري والمقدس" الذي يمنحهم استغناءً معنوياً عن التبعية لأي مركز إقليمي.
ثقل القبلة: وجود المراقد المقدسة في النجف وكربلاء يحوّل العراق إلى "منبع" للشرعية لا "مصب" لها، بينما تبحث حركات في دول أخرى عن اعتراف خارجي، يمثل العراق "المركز" الذي تشخص إليه أبصار شيعة العالم، مما يعزز النزعة الوطنية كضرورة للحفاظ على ريادة العراق الكونية.
تنوع الموارد: بامتلاك العراق للموانئ، ومسارات التجارة الدولية، والسياحة الدينية والآثارية، يمتلك الشيعة "دولة غنية" تتطلب استقراراً وانفتاحاً عالمياً لتزدهر، وهو ما يتناقض جذرياً مع منطق "الغيتو" أو اقتصاد الأزمات.

خامساً: الشرعية الدولية والتحول الديمقراطي
خلافاً لنماذج "المقاومة" التي تنمو في صراع مع الشرعية الدولية، وُلد النظام السياسي العراقي من رحم تحول من الديكتاتورية إلى الديمقراطية المعترف بها دولياً. هذا المسار يمنح الفاعل السياسي الشيعي "درعاً قانونياً ودبلوماسياً"؛ فالحفاظ على الدولة هو حفاظ على الاعتراف الدولي الذي يمنع عودة العراق إلى حقبة العزلة والتدويل.

الخلاصة:
إن "امتحان الدولة" لشيعة العراق هو في الحقيقة اختيار بين "الريادة كدولة سيادية" أو "الذوبان كفصيل وظيفي". إن المعطيات الاقتصادية والدينية والاجتماعية تدفع بقوة نحو "مركزية الدولة" بوصفها الإطار الوحيد القادر على توفير الحماية والاستقرار، وحقاً فإن "حماية المذهب تبدأ من قوة الدولة، وليس من ضعفها"؛ تلك هي الخلاصة البنيوية التي تدرك أن العالم تتحكم فيه مصالح الدول لا شعارات المحاور، وأن قدر شيعة العراق هو أن يكونوا حراس هذه الدولة، لأن في قوتها سيادتهم، وفي ضعفها ضياع لخصوصيتهم الفريدة.

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق