خبير التفاوض الإيراني عباس عراقجي ومنهجية البازار

محمد الحسين

يعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي واحد من أهم الشخصيات الدبلوماسية المعاصرة والذي يتمتع بعلاقات جيدة مع المرشد، وقيادات الحرس الثوري، والفصائل السياسية في إيران.

 


محمد الحسين/كاتب عراقي

يعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي واحد من أهم الشخصيات الدبلوماسية المعاصرة والذي يتمتع بعلاقات جيدة مع المرشد، وقيادات الحرس الثوري، والفصائل السياسية في إيران.

وهو أحد أقوى وزراء خارجية إيران حتى الآن في نظر الكثيرين، هادئ وحازم وصبور، لكنه في المقابل شجاع، مقاتل شرس وقادر على الصمود مع أصعب الضغوط، وقد كان له دور رئيسي في المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق النووي مع القوى العالمية في عام 2015م.

يصف عباس عراقجي النمط التفاوضي الإيراني بـ"مساومة البازار"، المستمد من تقاليد الأسواق المحلية في إيران، والذي يعتمد على المطالب العالية، والصبر الإستراتيجي، والمرونة التكتيكية. ويرى في هذا النهج أداةً ثقافيةً لتعزيز الموقف التفاوضي والحفاظ على الكرامة الوطنية في مواجهة الضغوط الدولية، كما حدث خلال مفاوضات البرنامج النووي.

▪️من هو عراقجي؟ 
أكاديمي إيراني ودبلوماسي براغماتي، من مواليد 1962م، في طهران، ينتمي لعائلة تمتهن التجارة، وكان جده لوالده من أشهر تجار السجاد في أصفهان.

وعندما كان عراقجي ينوي المشاركة في اختبار دخول الجامعات الإيرانية، اندلت الحرب العراقية الإيرانية (1980- 1988) حيث أغلقت الجامعات أبوابها، فانضم إلى الحرس الثوري وشارك ضابطا في ساحات القتال.

ولكنه واصل أصراره، فنجح عام 1985 في اختبار دخول كلية العلاقات الدولية التابعة لوزارة الخارجية الإيرانية، وتخرج فيها عام 1988م مع نهاية الحرب، حاملا شهادة البكالوريوس، فغادر حينها الحرس الثوري وانضم رسميا إلى السلك الدبلوماسي، وبدأ مسيرته المهنية خبيرا في الدائرة الدولية بالخارجية الإيرانية.

ثم أنه بعد مواصلته الدراسة نال شهادة الماجستير في فرع العلوم السياسية. كما حصل على منحة دراسية من الخارجية الإيرانية وأوفد إلى بريطانيا ليناقش بعد عامين أطروحته لنيل الدكتوراه في الفكر السياسي في جامعة كينت.

▪️بداية المشوار الدبلوماسي :
يعتبر عراقجي _الذي يتقن اللغتين الإنجليزية والعربية– من الدبلوماسيين المخضرمين الذين عملوا في السلك الدبلوماسي وتقلدوا مناصب رفيعة مع وصول كل من التيارين الإصلاحي والمحافظ إلى السلطة التنفيذية.

في بداية مشواره الدبلوماسي شغل عباس عراقجي منصب القائم بأعمال البعثة الإيرانية الدائمة لدى منظمة التعاون الإسلامي عام 1994م.

وفي عام 1999م عُيّن سفيرا لبلاده في فنلندا وإستونيا بشكل متزامن، ومكث في منصبه حتى عام 2003، وبعد عودته إلى طهران ترأس الدائرة الأولى لأوروبا الغربية في الخارجية لفترة عام تقريبا، ثم تقلد رئاسة كلية العلاقات الدولية، وبقي في منصبه حتى عام 2005.

وفي عام 2007 تم تعيينه سفيرا لطهران في طوكيو لفترة 4 أعوام، وبعد عودته من اليابان عام 2011 انتقل إلى مديرية شؤون آسيا في خارجية بلاده.

وفي عهد الرئيس أحمدي نجاد تم تعيين عراقجي في عام 2013 متحدثا باسم الخارجية لفترة لم تتجاوز 4 أشهر، ثم عينه وزير الخارجية الجديد محمد جواد ظريف نائبًا له للشؤون القانونية والدولية حتى عام 2017م، ثم مساعدا له حتى عام 2021م.

وأخيرا أختير عراقجي من قبل الرئيس الإصلاحي المنتخب مسعود بزشكيان في الحقيبة الوزارية، ليتسلم مقاليد منصب وزارة الخارجية، وذلك خلفا للراحل أمير عبداللهيان الذي قضى نحبه مع الرئيس ابراهيم رئيسي في سقوط المروحية.

▪️كبير خبراء التفاوض :
في عام 2005م عين عراقجي مساعدا لوزير الخارجية منوشهر متكي في الشؤون القانونية والدولية، وكان علي لاريجاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني آنذاك، مسؤولا عن المفاوضات النووية، فشارك عراقجي في فريق بلاده التفاوضي ممثلا قانونيا عن وزارة الخارجية.

وعقب فوز روحاني في رئاسة عام 2013م عين وزير الخارجية محمد جواد ظريف عباس عراقجي مساعدا له في الشؤون القانونية والدولية، فصار ثاني أكبر المسؤولين نفوذا في وزارة الخارجية، حتى قاد فريق بلاده في المفاوضات النووية.

اقترن اسم عراقجي بالمفاوضات بين بلاده والمجموعة السداسية (الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا والصين وروسيا) بشأن البرنامج النووي الإيراني، فقاد فريق بلاده التفاوضي مع القوى الغربية حتى تمكنت طهران من التوصل إلى اتفاق تاريخي عام 2015م بعد مضي 18 شهرا يقضي بتخفيف العقوبات عنها مقابل قيود علی برنامجها النووي، وتم ذلك في مدينة لوزان السويسرية حيث تحصل إلى اتفاق إطار لحل ملف البرنامج النووي الإيراني، قبل أن ينقض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأتفاق عام 2018م.

▪️منهج البازار في التفاوض :
أن أسلوب التفاوض الإيراني الذي يعرف عموما باسم "أسلوب ‌البازار"، أي "المساومة المستمرة والدؤوبة"، والذي تتبعه ⁠طهران بالمقايضة في السوق، هو نهج يتطلب "الصبر والكثير من الوقت"، ولكن عراقجي يحذر من المبالغة في استخدم المساواة، ويقول : "عندما تبيع الثلج تحت أشعة الشمس تصير المساومة أكثر من اللازم هي الخسارة بعينها".

وفي الوقت الذي تعزز فيه القوات الأميركية وجودها في الشرق الأوسط عسكريا بعد مرور ثمانية أشهر فقط على قصفها لمواقع نووية إيرانية، يبدو أن المؤسسة الدينية الإيرانية واثقة ‌من قدرة عباس عراقجي على التعامل بحنكة ودهاء، فهو يعتقد أن هناك فرصة جيدة "لحل دبلوماسي" قائم على تفاوض يلبي مطالب مختلف ⁠الأطراف، ذلك دون الحاجة لأي تعزيزات عسكرية، مشيرا إلى أن مثل هذه التعزيزات "لا يمكن أن تضغط علينا".

وبألتفاتة سريعة على منهج البازار الذي يستخدمه عراقجي في المفاوضات، والذي أوضح معالمه في كتابه "قوة التفاوض"، رأى أن الدول القوية قد تفشل في المساومة إذا استخدمت الضغط المفرط، أو تجاهلت مصالح الطرف الآخر، أو حتى لم تترك لخصمها مساحة ليحفظ ماء وجهه، أما الدول الأضعف فقد تحقق مكاسب إذا استخدمت أوراقها المحدودة بذكاء، واعتمدت على الوقت، وفعّلت شبكات الدعم الدولي.

وأكد عراقجي في أكثر من مرة أن كل دولة تدخل المساومة وهي تحمل خطًا أحمر لا تتجاوزه، وحداً أدنى يمكنها القبول به، فضلاً عن خطة بديلة في حال فشل التفاوض، مشيرا إلى أن الدول لا تهدف إلى الانتصار المطلق، بل إلى اتفاق يحقق الحدّ الأدنى من مصالحها الجوهرية.

ولكنه أوضح في النهاية أن "المساومة عملية محسوبة ومدروسة" تقوم على تبادل المكاسب والخسائر، وليست مواجهة مفتوحة، لذا على كل طرف مفاوض أن يدرس خطوته.

▪️النتيجة :
وأخيرا قبل أيام قليلة من اشتعال الحرب المفروضة على إيران، كانت هناك مفاوضات جادة بين طهران وواشنطن بوساطة عمانية، ثم توصلوا أخيرا في جنيف إلى تنازلات عديدة من قبل إيران لابعاد خطر الحرب، سلمت إيران فيها جميع أوراق الضغط والاستسلام، ولكن شعروا بعد ذلك أن الحرب التي تهددهم محتومة، وأن قرارها متخذ قبل أوانه، ثم تيقنوا أن هدف الحرب لم يكن تهديداً لأغراض سياسية أو أمنية، وإنما لغرض عقائدي بحت، فأصروا على موقفهم بمزيد من المساومة.

وطبقا لما صرح به مبعوث الرئيس الأميركي لشؤون الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، لشبكة نيوزماكس أنه وقد تم عقد ست جولات مع الإيرانيين قبل العملية العسكرية وكانوا يزعمون أنهم مستعدون لتقديم تنازلات دون دليل ملموس، ولكن عراقجي شرع في الصراخ خلال جلسة التفاوض الأخيرة معه وعرضنا أخذ استراحة للتنسيق مع فريقنا، وكنا متيقنين من أن لدية سلطة القرار.

 

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق