هل استعدّت بغداد لأسوأ احتمالات الحرب؟

أياد السماوي
كاتب | عراقي

 


في منطقة تقف على حافة تصعيد عسكري قد يتحوّل في أي لحظة إلى حرب مدمّرة، لم يعد الاستعداد لأسوأ الاحتمالات محرّد احتراز يمكن تأجيله، بل أصبح مسؤولية وطنية تقع على عاتق الحكومة العراقية ومجلس النواب وجميع المؤسسات الأمنية والاقتصادية والخدمية المعنية. فالعراق، بحكم موقعه الجغرافي وتشابك مصالحه الاقتصادية مع محيطه الإقليمي، ليس بمنأى عن تداعيات أي مواجهة واسعة، وقد تكون كلفة عدم الاستعداد أكبر من كلفة الاستعداد المبكر.
إنّ السؤال الذي ينبغي أن يشغل بغداد اليوم ليس ما إذا كانت الحرب ستندلع أم لا، بل ماذا أعددنا إذا اندلعت؟ وهل تمتلك الدولة خطة واضحة ومتكاملة لحماية أمن العراق وسيادته، وتأمين احتياجات المواطنين، وضمان استمرار مؤسسات الدولة في أداء واجباتها إذا اتسعت رقعة المواجهة وطال أمدها؟
أمنياً، المطلوب من الحكومة والقيادات العسكرية والأمنية مراجعة خطط الطوارئ، ورفع جاهزية المؤسسات المختصة، وحماية المنشآت الحيوية والمطارات والموانئ والحدود، وتعزيز قدرة الدفاع المدني والمستشفيات على الاستجابة لأي طارئ. كما ينبغي اتخاذ التدابير اللازمة لمنع استخدام الأراضي والأجواء العراقية ساحةً لتصفية الحسابات الإقليمية، مع الحفاظ على سيادة العراق وقراره الوطني وإبعاده عن أتون الحرب.
واقتصادياً، تبدو المخاطر أكثر تعقيداً. فاعتماد الموازنة العامة على الإيرادات النفطية يجعل العراق شديد التأثر بأي اضطراب يصيب صادرات النفط أو طرق نقله، ولا سيما إذا اتسعت المواجهة لتشمل مضيق هرمز وممرات الطاقة في المنطقة. وأي تراجع حاد في الإيرادات قد يضع الحكومة أمام ضغوط مالية تمسّ قدرتها على تمويل النفقات العامة ودفع الرواتب وتوفير الخدمات الأساسية.
من هنا، لا بدّ من إعداد خطة مالية طارئة تتضمن سيناريوهات متعددة لانخفاض الإيرادات النفطية، وتحديد الموارد المتاحة لمواجهة كل سيناريو، وترتيب الإنفاق وفق الأولويات الوطنية، مع ضمان رواتب الموظفين والمتقاعدين ومستحقات الرعاية الاجتماعية، وعدم تحميل المواطنين أعباء أزمة لم يكونوا سبباً فيها. كما ينبغي تأمين مخزونات كافية من الغذاء والدواء والوقود، ومراجعة جاهزية منظومات الكهرباء والمياه والاتصالات، ووضع خطط عملية لاستمرار الخدمات الأساسية مهما كانت الظروف.
أما مجلس النواب العراقي، فإنّ مسؤوليته لا تقل أهمية عن مسؤولية الحكومة. فالمطلوب منه ممارسة دوره الرقابي في متابعة استعدادات مؤسسات الدولة، واستضافة المسؤولين المعنيين للاطلاع على خطط الطوارئ والاحتياجات الفعلية، ومراجعة قدرة الموازنة على مواجهة الصدمات، واتخاذ ما يلزم من تشريعات وقرارات لدعم الاستجابة الوطنية، من دون تحويل الاستعداد للأزمة إلى مادة للمزايدات السياسية.
كما تقع على عاتق وزارات المالية والتخطيط والنفط والكهرباء والتجارة والصحة والداخلية والدفاع، وسائر الجهات ذات الصلة، مسؤولية التنسيق ضمن خطة وطنية موحدة، تتحدد فيها المهام والصلاحيات وآليات التنفيذ، وتُختبر فيها الاستجابة للسيناريوهات المحتملة قبل وقوعها. فالأزمات الكبرى لا تُدار بالارتجال، ولا تكفي لمواجهتها البيانات والتطمينات، إنما تحتاج إلى استعداد مؤسسي حقيقي، وقرارات مسبقة، ومتابعة دقيقة.
إنّ الاستعداد للحرب لا يعني الرغبة فيها، ولا يعني التسليم بحتمية وقوعها، بل يعني أنّ الدولة تتعامل بمسؤولية مع المخاطر، وتضع سلامة شعبها واستقرار اقتصادها فوق كل اعتبار. ومن واجب الحكومة أن تصارح المواطنين بما يمكن أن تواجهه البلاد، وأن تطمئنهم بإجراءات عملية قابلة للتحقق، لا بمجرد تصريحات عامة.
إنّ بغداد مطالبة اليوم بأن تستعدّ لأسوأ الاحتمالات، لا لأن الحرب حتمية، بل لأنّ مسؤولية الدولة تقتضي ألّا تفاجئها الأزمات. فالحرب قد تبدأ خارج الحدود، لكن نتائجها قد تصل إلى كل بيت عراقي، والاستعداد لها واجب الدولة بكل مؤسساتها، والتقصير فيه قد يجعل المواطن يدفع ثمن أزمة لم يخترها.

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق