عراق بلا وصي: وصفة لندن
رياض الفرطوسي
كاتب وباحث | عراقي
لماذا فضّل الإنجليز أن تحكم الأقلية، ولماذا قلبت واشنطن المعادلة؟
حين يصل جيش إلى بلد غريب، يسأل أول ما يسأل: مع من أتفاهم بأقل كلفة؟ لا يسأل: من الأحق بالحكم؟ بهذا السؤال البسيط دخلت بريطانيا العراق عام 1917، وبه رسمت دولته بعد ثلاث سنوات.
وجد الإنجليز أمامهم جنوباً شيعياً عصياً، خرج عليهم بثورة العشرين ورفض مراجعه الانتداب، ووسطاً عربياً سنياً فيه ضباط وموظفون ورثوا عن العثمانيين مهنة الإدارة. اختاروا الطريق الأسهل فبنوا الدولة على النخبة التي تعرف كيف تُدار الأوراق. يذكر حنا بطاطو (مؤرخ عراقي، صاحب أشهر دراسة عن الطبقات الاجتماعية في العراق) أن الأغلبية الشيعية دخلت القرن العشرين خارج دوائر القرار، وأن ذلك ميراث إداري وتعليمي قبل أن يكون كراهية.
ولم تكن هذه وصفة عراقية وحدها. فقد فعل الفرنسيون في سوريا ما يشبهها، حين جندوا أبناء الأقليات في قوات الانتداب، وهذا ما رصده بطاطو نفسه في كتابه عن فلاحي سوريا. الاستعمار القديم يحب أن يحكم الكثرة بالقلة، لأن القلة تحتاج إلى حاميها، فتبقى مخلصة له.
ثم جاءت أمريكا عام 2003 بفكرة مضادة تماماً: صندوق اقتراع وصوت لكل مواطن، وأغلبية تحكم. من حيث المبدأ كان ذلك انقلاباً على الفلسفة البريطانية. ومن حيث الأرقام كان معناه أن الشيعة، بوزنهم السكاني، سيصبحون في مركز السلطة.
تذهب القراءة التي أتبناها في هذه السلسلة إلى أن منطق دراسة غراهام فولر (محلل أمريكي سابق في الاستخبارات المركزية) لمؤسسة RAND (مركز أبحاث أمريكي يخدم صانع القرار) عام 1993 يسير في هذا الاتجاه. فالدراسة سألت: هل يبقى العراق حتى 2002؟ وهو سؤال يفترض أن دولة بُنيت على أقلية ستتصدع حين تصطدم بوزن الأغلبية. وفي هذه القراءة يبدو الحل الذي يرضاه التفكير الأمريكي: أغلبية تحكم، لكن بصورة عصرية معتدلة، أي شيعة ليبراليون لا يشبهون إيران ولا يعادون الغرب. (هذا استنتاج من منطق الدراسة وسياقها، ولا أنسب إلى فولر نصاً حرفياً لم أتحقق منه).
لا أريد أن أبالغ في تبسيط الأمر. لم يكن الحكم قبل 2003 قسمة صافية بين طائفتين، ولم يكن كل سني في الدولة، ولا كل شيعي خارجها. اختلطت الطبقة بالمنطقة بالقومية بالولاء الحزبي. غير أن الصورة الكبرى ظلت واضحة: بلد وزنه السكاني في جهة، ومفاتيحه في جهة أخرى.
وهنا تبدأ الحكاية التي تهمنا. فأمريكا أرادت أغلبية بمواصفات معينة، لكن الأغلبية لا تُطلب من كتالوج. من يملأ الفراغ حين تسقط دولة؟ من يملك التنظيم والمال والمظلومية والحضور في المساجد والأحياء. وهؤلاء لم يكونوا بالضرورة من فصّلتهم واشنطن على مقاس خططها.

ارسال التعليق