"النوستولجيا" الرغبة في الحنين إلى الماضي
آمنة الراشد /كاتبة عراقية
ما الزمان؟ إذ لم يسألني شخص عنهُ فأنا أعلم، وإن رغبت أن اشرحهُ لسائل ما فأنا لا أعلم كما ورد في اعترافات"اوغسطين"
إنَّ الزمان هو بداهة ولغز"
لقد مضت السنين ولا زلتُ أحن أليَّ، أشتاق إلى حديثي الفارغ تماماً من الهموم الصغيرة والامنيات الكبيرة جداً، أنا افتقدني كثيراً.
ربما هذهِ الكلمات تطرق هواجس احاسيس الكثير من الناس للتعبير عن ماضيهم
كالحنين إلى الهدوء إلى الطفولة البريئة إلى الأماكن الخالية من ضجيج التطور وعصر السُرعة إلى الأزمان المتعلقة بذاكرتهم، إلى العلاقات الاجتماعية.
تُرى ما الذي يجلعنا نشعر أو نعيد النظر بجماليات الماضي من وجهة نظر المختلفة للناس رغم انقضاءها؟
ما نعرفهُ عن الذاكرة هي ليست شريط مصور يسجل كل شيء ولأنَّ البشر يتباينون في طريقة تفكيرهم بالماضي حسب طُرق فهمهم للحياة سواء بطريقة بسيطة للعامة من الناس أو بطرق فلسفية أو نفسية تكون أكثر رؤية وعُمق
ولأنَّ الكثير منا ينتقي تفكيرهُ بالماضي باستحضار الايجابيات وتخطي السلبيات
وهذا ما عبّر عنهُ يوهانس هوفر عندما قال "أنَّ الحنين إلى الماضي لهُ اساس سيكولوجي ويطلق عليه مصطلح"النوستالجيا"
نحنُ في الغالب نشعر دائماً إلى الأمان النفسي والراحة والأطمئان للعيش في الماضي الذي نألف احداثه ونتعايش معها بطريقة سلسة تشعرنا بالارتياح.
يقول عالم النفس والفيلسوف الانساني إريك فروم
"هناك أشياءَ كثيرة أكرهُها في المجتمعِ المُعاصِر، أولاً أودُّ أن أعبَّر عن كرهي لحقيقة أنّ كلّ شيء وكلّ شخص تقريباً اصبحَ للبيع. لا أعني هنا فقط السَّلَع والخدمات، بلّ كل شيء(الأفكار - الفنّ - الكتب - الأشخاص - القَناعات - الشعور - الابتسامة) كلّها تحوَّلت إلى سِلَع وكذلك الإنسان كلُّه بكلَّ جوراحهِ وإمكانياتهِ
مع ذلك يترتّب على ذلك أن قلَّة قليلة من النّاسِ يمكنُ الوثوقَ بها لا يقتضي بالضرورة أني أقصد عدم النّزاهة في العمل أو الاستخفاف بالعلاقات الشخصية، بل أقصد شيئاً أعمق، عندما يكون الإنسان للبيع كيف نثق أنّه سيكون غداً هو نفسه الذي نعرفهُ اليوم؟
ولأنَّ حنينُ الإنسان إلى ماضيه لا يعني ارتباط الفرد بحقبة معينة أو حكم معين كما يزعم البعض!
بل هو شعور إلى هدوء وطمأنينة عقل وركيزة فقدها في حاضره الذي غيرت معالمهُ القفزة التكنولوجية والصناعية والتي فقد معها الانسان شعورهُ بالسلام الداخلي
مع تبدد العلاقات الاجتماعية التي انحسرت في ظل تطور السوشل ميديا وعصر الانترنت والتي اصحبت إلى حدٍ ما علاقات رقمية لا أكثر!
وقد صاحبَ هذا الخوف من المستقبل في التطور الهائل للذكاء الاصطناعي وتحول الإنسان إلى مادة في عصر الرأس مالية الذي حول كل شيء إلى سلعة غابت عنها السكينة التي عرفها البشر على مرَّ العصور رغم الايجابية التي صاحبت هذا التطور.
يقول آلي لوندي"أنهُ لأمر غريب كيف أننا نتمسك بالأشياء التي حدثت في الماضي في حين لا زلنا ننتظر ماذا سيحدث في المستقبل المجهول"
وهنا يكمن السر في التوجس وعدم الطمأنينة للإنسان الحالي
ولعل أهمها التغيرات في المظاهر الاجتماعية مقارنة بحجم التسارع في هذا العصر والذي نجمَ عنها ظاهرة الاغتراب النفسي وصعوبة التكيّف مع المستقبل.
لا شك أن الحنين إلى زمان مضى بكل تفاصيله يمدنا بالأمان والسعادة والراحة ولكن خطورتهُ النفسية تكمن في استرجاع هذهِ الذكريات في المستقبل.
لهذا ذكر برترناد راسل "السعادة ليست هروباً من الواقع ومآسيه وإنما التحرر من تأثيره فينا وسيطرته علينا"
"كما ذكر علماء النفس أنَّ أكثر الناس علاقنية هم الأكثر اطمئناناً"
لذلك الحاضر هو الزمن الوحيد الذي نمتلك مفاتيح سعادته لأننا نعيش فيه"
فالسعادة بطبيعتها مرتبطة بتركيبة الشخص وتكوينه ومزاجه وشخصيته ومقدار رضاه عن نفسه في كل الظروف
ولهذا ربما يجد البعض أنَّ حياته ليست جيدة في الوقت الحالي لكن العودة بالماضي لإرضاء النفس بأنَّ الماضي هو الخلاص من سلطة المستقبل التي تعيقهُ عن التفكير بطريقة مختلفة للمواصلة
وربما هناك الكثير يستحق الاكتشاف لأنَّ اعمارنا قصيرة وحياتنا هي رحلة لا بدَّ أن تنتهي يوماً لذلك كُن متعايشاً مع هذا المبدأ حتى تستطيع العيش.

ارسال التعليق