الأمن الغذائي طريق الاستقلال الاقتصادي

ناطق فرج
كاتب ومترجم | عراقي

 


يُعدُّ الأمن الغذائي أحد أهم ركائز الأمن القومي لأيَّة دولة، إذ لا يمكن تحقيق الاستقرار السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي دون توفير غذاء آمن وكافٍ لجميع أفراد المجتمع. فالدَّولة التي تمتلك القدرة على إنتاج غذائها وتأمين احتياجات شعبها الأساسية تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات والكوارث الطبيعية والتقلبات الاقتصادية والصراعات الدولية، كما تضمن لمواطنيها حياة صحيَّة وكريمة.
لا يقتصر مفهوم الأمن الغذائي على توفير الغذاء فحسب، بل يشمل منظومة متكاملة تبدأ باستصلاح الأراضي الزراعية، وإدارة الموارد المائية بكفاءة، وتنتهي بإنتاج غذاء صحي وآمن يصل إلى المستهلك وفق أعلى معايير الجودة والسَّلامة. ومن هنا، فإنَّ الاستثمار في الزراعة ليس مجرَّد نشاط اقتصادي، بل هو استثمار استراتيجي في مستقبل الدَّولة وأمنها.
وتتمثَّل الخطوة الأولى في تحقيق الأمن الغذائي في استصلاح الأراضي وزيادة المساحات المزروعة، مع حماية الأراضي الزراعية من التصحر والتجريف والتوسع العمراني غير المنظم. كما ينبغي اعتماد أساليب الري الحديثة التي تقلّل من هدر المياه وتزيد من كفاءة الإنتاج الزراعي.
وفي الوقت عينه، يمثل ضمان جودة مياه الشرب أحد أهم عناصر الأمن الغذائي والصحي، لأنَّ المياه النظيفة هي أساس صحة الإنسان والإنتاج الزراعي. ولذلك، ينبغي على الدولة مراقبة مصادر المياه بصورة مستمرة، ومعالجة مياه الشرب وفق المعايير الصحية العالمية، وحماية الأنهار والبحيرات والمياه الجوفية من التلوث الصناعي والزراعي.
ومن الأهداف الاستراتيجية لأيَّة حكومة زيادة الإنتاج الزراعي المحلي وتقليل الاعتماد على استيراد المواد الغذائية، لا سيَّما المحاصيل الأساسية. فالاعتماد المفرط على الاستيراد يجعل الدولة عرضة لتقلبات الأسواق العالمية والأزمات السياسية والاقتصادية، بينما يحقِّق الإنتاج المحلي قدراً أكبر من الاستقلال الاقتصادي والاستقرار الغذائي. وقد ذكرت في أكثر من مقال أنَّ العراق استورد عام 2025 ما قيمته 25 مليار دولار من المنتجات الغذائية من تركيا، ومن المتوقَّع أن التبادل التجاري بين البلدين يصل إلى 30 مليار دولار عام 2026!  
ولتحقيق إنتاج زراعي مرتفع الكفاءة، ينبغي على الحكومة إجراء دراسات علمية دقيقة لطبيعة التربة في مختلف مناطق البلاد، سواء في الجنوب أو الوسط أو الشمال، لتحديد المحاصيل الأكثر ملاءمة لكلِّ منطقة. فاختلاف خصائص التربة من حيث تركيبها الكيميائي وملوحتها وخصوبتها يتطلَّب خططاً زراعية مبنية على البيانات العلمية، وليس على الاجتهادات الفردية.
كما ينبغي دراسة العوامل المناخية، بما في ذلك معدلات سقوط الأمطار، ودرجات الحرارة، والرطوبة، واتجاهات الرياح على مدار السَّنة، لأنَّ هذه البيانات تمثل الأساس في وضع الخطط الزراعية واختيار مواعيد الزراعة والحصاد، فضلاً عن توقُّع آثار التغير المناخي والاستعداد لها.
ومن الضروري أيضاً الاستفادة من الكفاءات الوطنية، وذلك من خلال توظيف خريجي كلّيات الزراعة والطب البيطري في مشاريع زراعية وطنية، وإشراكهم في مراكز البحث والإرشاد الزراعي. فهذه الطاقات العلمية قادرة على تطوير الإنتاج الزراعي، وإدخال التقنيات الحديثة، وتحسين جودة المحاصيل، وزيادة إنتاجيتها.
ولا يكتمل الأمن الغذائي دون رقابة صحية صارمة على الغذاء بعد إنتاجه. ومن هنا، فإنَّ الانتشار الكبير للمطاعم في العراق يستوجب تشديد الرقابة الصحية، لأنَّ كثيراً منها يفتقر إلى الشروط الصحية المطلوبة في إعداد الطعام أو حفظه أو تقديمه. إنَّ سلامة الغذاء مسؤولية مشتركة بين الجهات الرقابية وأصحاب المنشآت الغذائية، وأي تقصير في هذا الجانب ينعكس مباشرة على صحة المجتمع.
وتشير الإحصاءات الصحية في العراق إلى ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة، مثل ارتفاع ضغط الدم، وارتفاع الكوليسترول، وداء السكري، وأمراض القلب، إضافة إلى أنواع مختلفة من السرطان. وترتبط نسبة كبيرة من هذه الأمراض بأسلوب الحياة وأنماط التغذية غير الصحية، واستهلاك الزيوت النباتية المهدرجة (زيت الذرة، زيت الكونولا، وزيت عبّاد الشمس) والحلويات والأغذية المصنعة والمعلَّبة، إلى جانب قلّة النشاط البدني. لذلك ينبغي أن تترافق سياسات الأمن الغذائي مع برامج وطنية للتوعية الغذائية وتشجيع الأنماط الصحية في الحياة.
كما يجب على الدولة أن تتابع باستمرار أحدث الأبحاث العلمية والتقنيات الحديثة في مجالي الزراعة والصحة، لا سيَّما ما تنتجه الجامعات ومراكز البحوث في الدول المتقدمة، مع تكييف هذه الخبرات بما يتناسب مع الظروف المحلّية. فالتقدم العلمي أصبح عاملًا حاسمًا في تحسين الإنتاج الزراعي، ومكافحة الآفات، وترشيد استخدام المياه، ورفع مستوى الصحة العامة.
ومن الجوانب المهمة التي تستحق الدراسة والتحليل، مقارنة معدلات الوفيات بين فئة الشباب وكبار السن، والبحث في الأسباب الصحية والاجتماعية والبيئية المؤدية إليها. فهذه الدراسات توفر مؤشرات دقيقة تساعد صناع القرار على وضع سياسات وقائية فعّالة، وتطوير الخدمات الصحية، وتحسين نوعية الغذاء، والحد من عوامل الخطر التي تهدّد حياة المواطنين.
إنَّ الشعب الذي يتمتَّع بصحة جيدة هو شعب أكثر قدرة على العمل والإنتاج والإبداع والابتكار. فالصحة ليست مجرَّد هدف اجتماعي، بل هي عنصر أساسي في التنمية الاقتصادية وبناء رأس المال البشري. وكلُّ استثمار في الغذاء الصحي والزراعة والبحث العلمي والرعاية الصحية هو استثمار في مستقبل الدولة وقدرتها على المنافسة والتقدم.
وفي الختام، فإنَّ الأمن الغذائي ليس مسؤولية وزارة الزراعة وحدها، بل هو مشروع وطني تشترك فيه مؤسسات الدولة كافة، من وزارات الزراعة والموارد المائية والصحة والبيئة والتعليم العالي والاقتصاد، إلى جانب القطاع الخاص ومراكز البحث العلمي (إن وجدت) والمجتمع المدني. فكلَّما اقتربت الدولة من تحقيق الاكتفاء في غذائها، اقتربت من ترسيخ سيادتها الاقتصادية وتعزيز قدرتها على مواجهة الأزمات. وعندما تتبنى الدولة رؤيةً علميةً شاملةً لتحقيق الأمن الغذائي، فإنَّها لا تؤمّن احتياجات الحاضر فحسب، بل تضع الأسس المتينة لمستقبل مزدهر، وتبني مجتمعًا يتمتَّع بالصحة والإنتاجية والقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق