جمهورية شكو ماكو
ناطق فرج
كاتب ومترجم | عراقي
هذه الجمهورية تُظهر أشياء إلى العلن، وتُخفي أشياء إلى الأبد!
شكو ماكو؟!
عبارة تنزلق من شفاهنا دون وعي، ربما قبل أن نلقي التحية، وربما بدلًا منها. سؤال عراقي بامتياز، يتبادله الناس آلاف المرّات يوميًا، في الشوارع والمقاهي والبيوت وأماكن العمل. لا تكاد تمرُّ ساعة من دون أن يسألَ أحدهم الآخر: شكو ماكو؟ فيأتيه الجواب المعتاد: ماكو شي والله، أو كلشي ماكو، حتى وإن كانت الدنيا قد انقلبت أو ستنقلب رأسًا على عقِب!
إنَّها عبارة تختصر فضولنا الاجتماعي، وتكشف رغبتنا في معرفة ما جرى وما لم يجرِ، وما قيل وما لم يُقل، وما أُعلن وما بقي خلف الأبواب الموصدة. سؤال يبدو بسيطًا، لكنَّه ينطوي على مفارقة لغوية طريفة؛ فهو يسأل عن المخفي والمُعلن في آن واحد، ويترك الباب مفتوحًا أمام مَن يُطرح عليه السؤال، فلا يعرف من أين يبدأ في الإجابة ولا أين ينتهي.
الغريب، بل المثير للسخرية، أنَّ هذا السؤال الذي نتبادله بلا كللٍ، نادرًا ما نوجهه إلى الحكومة! قد نطرحه على صديقٍ، أو جارٍ، أو نطرحه على صاحب المقهى، لكنَّنا لا نسأل المسؤولين في الدولة: شكو ماكو؟ لا نسألهم عمّا يفعلون بأموالنا؟ أو لماذا تنقطع الكهرباء؟ أو مَن المسؤول عن تلوّث المياه؟ أو أين ذهبت الوعود الانتخابية؟ ومَن قرَّر أن تكون حياتنا سلسلة متواصلة من الانتظار؟ في جمهورية شكو ماكو، يبدو أنَّ السؤالَ مسموح به في كلِّ مكان، باستثناء المكان الذي يستحقُّ أن يُطرح فيه!
في أروقة الحكومة تظهر أشياء إلى العلن، وتختفي أشياء إلى الأبد. تُعلن الحكومة عن إنجازات لا يلمسها المواطن، وتحتفل بمشاريع لا يعرف أحد متى بدأت ومتى ستنتهي، وتصدر بيانات تثير القلق في اللَّحظة التي يكون فيها الناس أحوج إلى الطمأنينة. أما المعلومات التي تتعلَّق بحياة المواطن وسلامته ومستقبله، فغالبًا ما تصل إليه متأخرة، أو لا تصل على الإطلاق.
في هذه الجمهورية، لا تحذّر الحكومة شعبها بما يكفي من المخاطر المحتملة. لا تشرح له ماذا ينبغي أن يفعل إذا اندلعت، غداً، حرب طاحنة على بُعدِ أميالٍ قليلة من الحدود، أو إذا انقطعت شبكة الإنترنت، أو تعطَّلت إمدادات الطاقة، أو وقع تسرُّب إشعاعي وتعرَّضت البلاد لكارثة بيئية. لا يجد المواطن أمامه تعليمات واضحة تقوده إلى برِّ السلامة، بل يجد نفسه مضطراً إلى جمع الأخبار من هنا وهناك، ومقارنة الشائعات، والبحث عن معلومةٍ قد تكون صحيحة وقد تكون جزءًا من حرب نفسية.
المشكلة ليست في الحكومة وحدها، بل في علاقة المواطن بالسؤال. لقد نشأنا على الصمت، وتعلَّمنا منذ الطفولة أنَّ كثرةَ الأسئلة قد تجلب المتاعب. في المدرسة، كان الطالب الذي يسأل كثيرًا يُنظر إليه أحياناً باعتباره مزعجًا. وفي البيت، كان السؤال عن بعض الأمور يُقابل بعبارة: «كافي لا دوّخنا». وفي الشارع، تعلَّمنا أنَّ نخفض أصواتنا عندما نتحدَّث عن أصحاب النفوذ. أما عندما يتعلَّق الأمر بالحكومة، يتحوَّل السؤال عند بعضنا إلى مغامرةٍ غير محسوبة العواقب. وهكذا تربينا على ثقافة الامتثال بدلًا من ثقافة الاستفسار، وعلى انتظار الإجابات بدلًا من المطالبة بها.
ما لا ندركه أنَّ السؤال هو بداية الرحلة، وطبيعته هي التي تحدِّد طبيعة تلك الرحلة وطولها. هناك سؤال ينتهي عند باب الفضول، وهناك سؤال يفتح أبوابًا لم نكن نعرف بوجودها. سؤال عن سبب انقطاع الكهرباء قد يقود إلى سؤال عن العقود، ثمَّ إلى سؤالٍ عن الشركات، ثمَّ إلى سؤالٍ عن أموال الموازنة، ثمَّ إلى سؤالٍ أكبر: مَن يراقب أداء الحكومة، ومَن يحاسبها؟
إنَّ السؤال الجيد لا يبحث عن إجابة جاهزة فحسب، بل يختبر الإجابة، ويفتش في خلفياتها، ويقارنها بالواقع. ولهذا تخشى بعض السُّلطات الأسئلة أكثر مما تخشى الانتقادات؛ فالانتقاد قد يكون انفعالًا عابرًا، أما السؤال فيطالب بالدليل، ويطلب الوثيقة، ويتتبَّع المسؤولية، ولا يكتفي بعبارة «الأمور زينة الحمد لله».
وليس المطلوب أن يتحوَّلَ كلُّ مواطنٍ إلى محقّق أو خبير اقتصادي أو قانوني، ولا أن يشكّك في كلِّ شيء لمجرَّد الشك. المطلوب أن يدركَ أنَّ من حقّه أن يعرفَ، وأنَّ من واجبِ المؤسسات العامَّة أن تشرحَ وتوضّحَ وتقدِّمَ المعلومات، وأنَّ المُساءلة ليست عداءً للدولة، بل إحدى الوسائل التي تحميها من الفساد وسوء الإدارة.
فالدولة التي لا تجيب عن أسئلة مواطنيها تترك فراغًا تملؤه الشائعات والتأويلات. أما المواطن الذي يتخلّى عن حقّه في السؤال فقد يتنازل، من حيث لا يدري، عن حقّه في المشاركة في تقرير مستقبله.
لقد آن الأوان أن نكسرَ هذا الحاجز؛ أن نسألَ في المدرسةِ والجامعةِ، وفي الدوائرِ الحكومية، وفي المؤتمراتِ الصحفية، وفي كلِّ مكانٍ تُتخذ فيه قرارات تمسُّ حياتنا؛ أن نسألَ عن الموازنات، والعقود، والخدمات، والبيئة، والتعليم، والصحة، والأمن، وأن نطالبَ بإجابات محدَّدة لا بعبارات إنشائية تصلح لكلِّ زمان ومكان.
آن الأوان أن نُعيدَ الاعتبار إلى السؤال، وأن نتوقَّف عن التعامل معه باعتباره تجاوزًا أو قلَّة أدب أو خروجًا على المألوف. فالمسؤول ليس أعلى من السؤال، والمنصب ليس حصانة من المُساءلة، والمال العام ليس مُلكًا لمن يتصرَّف به، بل هو حقٌّ للمواطن الذي ينبغي أن يعرفَ أين ذهب وكيف أُنفق.
ولنبدأ من العبارة التي نستخدمها كلَّ يوم.
شكو ماكو؟
لكن هذه المرة، لا نسأل الصديق عن يومه، ولا الجار عن أخباره، ولا نبحث عن حكايةٍ جديدة نتداولها في المقهى. لنسأل الحكومة: شكو ماكو في الموازنة؟ شكو ماكو في المشاريع؟ شكو ماكو في المستشفيات؟ شكو ماكو في المدارس؟ شكو ماكو في حقوقنا التي لم نعد نعرف أين اختفت؟
ولنسأل أيضاً: ما الذي لا نعرفه؟ ولماذا لا نعرفه؟ ومَن يملك المعلومة؟ ومَن قرَّر حجبها عنّا؟ فربما آن الأوان لنكتشف أنَّ المشكلةَ لم تكن يومًا في قلّة الإجابات وحدها، بل في أنَّنا لم نتعوَّد على طرح الأسئلة. والمشكلة الأُخرى هي أنَّنا اعتدنا أن نسأل بعضنا عن كلِّ شيء، إلا عن الشيء الذي يحدِّد مصيرنا.
فلنكسر الصمت إذن، ولنبدأ بالسؤال. فمن لا يسأل، يترك للآخرين أن يكتبوا حكايته نيابة عنه، وأن يقرِّروا إلى أين تمضي رحلته، ومتى تنتهي.

ارسال التعليق