عندما نضحك على أنفسنا
سعد صبار السامرائي
كاتب | عراقي
قطع البروفيسور العراقي سلمان الرواف خمسة آلاف ميل، كما قال، من لندن إلى بغداد، للمشاركة في مؤتمر العراق للتعليم الذي انعقد يومي 28 و29 أكتوبر الماضي، تحت شعار "من التعليم إلى التنمية: شراكات عالمية وجامعات تصنع المستقبل". كان اسمه مدرجًا في البرنامج الرسمي متحدثًا رئيسيًا، لكن المشهد الذي أثار الجدل لم يكن جزءًا من محاضرته. فقد أظهر مقطع مصور مراسلي قنوات فضائية يسحبون ميكروفوناتهم من أمامه وهو يتحدث، في واقعة ربطتها تقارير إعلامية بمغادرة وزير التعليم العالي قاعة المؤتمر. عندها احتج الرواف قائلًا: "قطعت 5000 ميل ولا أحد يستمع هنا.. لا أفهم لماذا يحضرون؟ نضحك على أنفسنا".
تابعت المشهد الذي انتشر في وسائل التواصل الاجتماعي، وتساءلت: نضحك على من حين ندعو العلماء من جامعات العالم، ونضع أسماءهم وصورهم على ملصقات المؤتمرات، ثم ينصرف الاهتمام عنهم بانتهاء الكلمات الرسمية؟ هل نريد من المؤتمر أن نلتقط الصور التذكارية، ونتبادل الابتسامات أمام الكاميرات، ونعود إلى جامعاتنا محملين بشهادات المشاركة؟ أم نريده مجلسًا للعلم، تُطرح فيه الأسئلة، وتُناقش الأفكار، وتُختبر المقترحات، ونخرج منه بمعرفة جديدة وتجربة تستحق أن تُنقل إلى مؤسساتنا؟
ولكي ندرك قيمة الضيف الذي وقف أمام تلك الميكروفونات، يكفي أن نتوقف عند سيرته. سلمان الرواف طبيب وأستاذ للصحة العامة في إمبريال كوليدج لندن، ومدير مركزها المتعاون مع منظمة الصحة العالمية للتعليم والتدريب في مجال الصحة العامة، الذي تأسس عام 2007. أمضى خمسة وعشرين عامًا في العمل الطبي والإداري بهيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية، وأسهم في تطوير النظم الصحية والرعاية الأولية والتعليم الطبي في بلدان عديدة، بينها العراق. وعمل مستشارًا لمنظمة الصحة العالمية في مجالات تمتد من الصحة العامة إلى تنمية الكوادر الطبية. نحن، إذن، أمام عالم أمضى جانبًا كبيرًا من حياته في البحث والممارسة والإدارة الصحية، واكتسب خبرة كان حريًّا أن تكون موضع اهتمام من جاءوا إلى المؤتمر.
ولاسم إمبريال كوليدج وقع خاص في نفسي. ففي عام 2018، شاركت في مؤتمر علمي أُقيم في هذه الكلية بلندن. وما زلت أذكر وقوفي أمام قاعة تحمل اسم ألكسندر فلمنج، مكتشف البنسلين عام 1928، مستعيدًا سيرة العالم الذي غيّر وجه الطب. وخلال أيام المؤتمر، استوقفني اهتمام معظم الحاضرين بالعروض العلمية؛ كانوا ينصتون ويسألون ويناقشون، وتمتد أحاديثهم إلى أوقات الاستراحة. وكان المتحدث يحظى بالاهتمام لما يعرضه من نتائج وأفكار، بصرف النظر عن منصبه ومكانته الإدارية. خرجت من تلك التجربة بانطباع راسخ عن قيمة الإصغاء، وعن الصلات التي تنشأ بين الباحثين. ولم تكن تلك الأجواء بحاجة إلى مظاهر احتفالية كثيرة؛ فقد كان النقاش نفسه كافيًا ليمنح المؤتمر حيويته.
ومهما يكن من أمر، ليست الفعاليات العلمية جميعها سواء، فقد بات تضخم المؤتمرات وتباين جودتها من القضايا التي تستحق البحث في الأوساط الأكاديمية. وفي دراسة نشرها الباحث كاله هاوس في مجلة Research Evaluation عام 2020، شملت باحثين في مرحلتي الدكتوراه وما بعدها في ألمانيا، أفاد أكثر من ربع الباحثين في مرحلة ما بعد الدكتوراه ممن حضروا مؤتمرات دولية بأن مشاركتهم أفضت إلى تعاون بحثي مع أشخاص أو مؤسسات أخرى، مقابل 13.5% من طلبة الدكتوراه. وهي نتائج تشير إلى أن أثر المؤتمر قد يمتد إلى ما بعد جلساته، فيثمر بحثًا مشتركًا أو تعاونًا علميًا طويل الأمد.
وفي دراسة أخرى تناولت مؤتمرًا طبيًا دوليًا، واستندت إلى استطلاع شمل 1229 مشاركًا، عدّ 81.3% من المشاركين حضوريًا الاطلاع على المستجدات العلمية من دوافع حضورهم، بينما أولى 80.6% أهمية للقاء الخبراء. وتكشف هذه الأرقام عن أمر ينبغي أن يكون بديهيًا: أن الباحثين يسافرون لحضور المؤتمرات طلبًا للمعرفة والتواصل العلمي، وأن نجاح المؤتمر يُقاس بقدرته على تلبية هذه الغاية.
وفي المقابل، حذرت مراجعة منهجية نشرتها مجلة BMJ Open عام 2022 من انتشار المؤتمرات الأكاديمية المفترسة، بعد تحليل عشرين دراسة تناولت الظاهرة. ورصد الباحثون ممارسات منها الرسوم المرتفعة، وضعف التحكيم العلمي، والمبالغة في استمالة الباحثين للمشاركة، واستغلال حاجتهم إلى النشر والتقدم الأكاديمي. ولا يعني ذلك أن مؤتمر بغداد ينتمي إلى هذه الفئة، لكن انتشار هذه الممارسات يدعونا إلى التساؤل عن المعايير التي نقيس بها قيمة المؤتمرات، وما إذا كانت أعداد المشاركين والأوراق والشهادات قد طغت، في بعض الأحيان، على جودة النقاش العلمي ومخرجاته.
ولعل صورة أخرى من هذا الخلل تظهر في الأخبار التي تعقب المؤتمرات. نقرأ أن المؤتمر استضاف عشرات الباحثين، وناقش مئات الأوراق، وشهد حضور شخصيات رفيعة، واختُتم بتوصيات مهمة. ثم تمضي الشهور، ولا نعرف أيًّا من تلك التوصيات وجد طريقه إلى التنفيذ. وكم من مؤتمر انتهى ببيان ختامي طويل، ثم اختفت أوراقه في أدراج المؤسسات، ولم يبق منه سوى الصور والأخبار المنشورة! وقد تعقد جامعة صغيرة مؤتمرًا محدود الحضور، فتخرج منه شراكة بحثية أو فكرة تغير مسار مشروع قائم، بينما تحتشد قاعات فخمة بمئات المشاركين، ثم ينصرف الجميع وقد أضافوا إلى سيرهم الذاتية شهادة جديدة. ثمة فرق شاسع بين لقاء يفتح بابًا للعمل وآخر ينتهي بانتهاء حفل العشاء.
أما العراق، فقد عرف منذ عقود نزيفًا مؤلمًا في كفاءاته العلمية، واستقر كثير من أبنائه في الجامعات والمستشفيات ومراكز الأبحاث حول العالم. وما زال بعضهم يحتفظ بعلاقة وثيقة ببلاده، ويتطلع إلى الإسهام في بناء مؤسساتها وتطوير جامعاتها. ومن هؤلاء سلمان الرواف، الذي عمل في بيئات صحية مختلفة، وشارك في تقديم المشورة وتطوير الخدمات في بلدان عدة. ومثل هذه الخبرات لا يمكن الإفادة منها بمجرد إدراج أسمائها في برامج المؤتمرات؛ فهي تحتاج إلى حوار متصل، ومشاريع مشتركة، ومؤسسات قادرة على استيعاب المقترحات ومتابعة تنفيذها.
ولا تبدو هذه الحادثة بعيدة عن مشكلات تنظيمية تشهدها بعض الفعاليات العامة في العراق، ومنها الفعاليات العلمية. ولا نعرف عن حادثة سحب الميكروفونات ما يكفي، فقد تكون وراءها ملابسات تتعلق بترتيبات التغطية الإعلامية، لكن المشهد يطرح سؤالًا عن المكانة التي نمنحها للعلم في حياتنا العامة. فكثيرًا ما تحتل الكلمات الافتتاحية للوزراء والمسؤولين صدارة الأخبار، وتتصدر صورهم التغطيات الإعلامية، ثم تتراجع أخبار الجلسات العلمية إلى الهوامش، إن وجدت. وقد يغادر المصورون والمراسلون بعد انتهاء الافتتاح، بينما يبدأ الباحثون أعمالهم الفعلية داخل القاعات. والمؤسف أن مثل هذه الممارسات قد ترسخ في أذهان طلبتنا تصورًا مشوشًا عن مكانة العلم. فالطالب الذي يرى الكاميرات تتزاحم عند وصول المسؤول، ثم تنصرف أثناء المحاضرات، سيتعلم درسًا عن مراتب الاهتمام في المجتمع. أما إذا رأى أستاذه ينصت إلى باحث شاب، ويسأله عن منهجه ونتائجه، فسيفهم أن الاحترام العلمي يُكتسب بالمعرفة والحجة. وهكذا تتشكل تقاليد الجامعة، من التفاصيل الصغيرة التي تتكرر حتى تتحول إلى أعراف راسخة.
أعود إلى عبارة سلمان الرواف: "نضحك على أنفسنا". ولعل الرجل، في لحظة غضبه تلك، اختصر علة أعمق من سوء تنظيم مؤتمر أو انصراف بضعة مراسلين. فما قيمة أن ندعو عالمًا من لندن، ونضع اسمه في صدر البرنامج، ثم يغادر الاهتمام القاعة حين يغادرها المسؤول؟ وما جدوى الحديث عن تطوير الجامعات إذا ظلت منزلة العالم فيها رهينة بموقعه في سلم المراسم؟
ولعل المفارقة أن كثيرين منا ما كانوا ليعرفوا سلمان الرواف ومكانته العلمية، لولا انتشار مقطع سحب الميكروفونات وتداول كلماته على وسائل التواصل الاجتماعي. فكأن الحادثة التي كشفت تراجع الاهتمام بالعلم كانت هي نفسها ما لفت الأنظار إلى هذا العالم العراقي.
تحفظ كثير من الجامعات أسماء علمائها الراحلين على أبواب القاعات، وتخلّد اكتشافاتهم في الكتب والمناهج، فيما يُمتحن احترامها للعلماء الأحياء في مواقف أبسط كثيرًا. فما نفع أن نمجّد العلم في خطبنا، ونرفع أسماء أعلامه على جدران مؤسساتنا، ثم يعجز بعضنا عن الإصغاء إلى عالم جاء من بعيد ليشاركنا خبرته؟

ارسال التعليق