حين يفوز العراق

سمية زكي البطاط

ينتصر السلام على الحرب، ينتصر بردي ونخل العراق، ينتصر الجبل والنهر، ينتصر الهواء والتراب.

 سمية زكي البطاط
كاتبة وإعلامية | عراقية

 


ينتصر السلام على الحرب، ينتصر بردي ونخل العراق، ينتصر الجبل والنهر، ينتصر الهواء والتراب.
ليس فوز الفريق العراقي حدثًا رياضيًا عابرًا، ولا لحظة فرح مؤقتة تُستهلك على الشاشات ثم تنطفئ، بل هو لحظة إنسانية ووطنية عميقة، كأن الوطن كله يتنفس دفعة واحدة بعد اختناق طويل.
في زمن الحرب، تتشابه الأيام حتى تكاد تفقد ملامحها، أخبار الموت، صور الخراب، الوجوه المرهقة، والقلوب التي اعتادت أن تخبئ خوفها في صمتٍ ثقيل.
ولكن ما إن يعلو اسم العراق في لحظة فوز، حتى يتغير المشهد كله. وفجاة تبدلت ملامح الشارع والناس واقتحمت صورة العراق حاملا سلاما من نوع خاص وفوز يتحدى الخسارات من حوله ويفرض نفسه بحب لا بقسوة ولا بكره ولا بعداوة، بل بفوز يدفع بأدرينالين العقل والجسد ليجعل العالم يرقص دون أن يلتفت إلى فكرة فوز عراقي بل فوز عربي وبشرف..
فوز يجعل من الطريق ليس مجرد طريق، بل مسرحًا للفرح.
لتخرج الأعلام من النوافذ كما لو أنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ زمن، والأصوات ترتفع بالهتاف، والعيون التي أنهكها التحديق بشاشة الحرب تلمع فجأة بشيء يشبه النجاة.
لم أر فوز أحد عشر لاعبًا فقط، بل رأيت شعوبا بأكملها تفوز لانسان من حقه أن يفرح.
هذا هو المعنى الإنساني الأعمق للفوز:
أن يستعيد الإنسان إيمانه بأن الحياة ما زالت ممكنة.
الحرب تحاول دائمًا أن تسرق من الناس إحساسهم بالمستقبل، أن تقنعهم بأن كل ما هو قادم يشبه الأمس، وأن الألم قدرٌ دائم لا مهرب منه؛ ولكن لحظة الفرح الوطني تكسر هذه الفكرة من جذورها، لتقول لنا بوضوح:
لا شيء ثابت، لا حزن يدوم، ولا ظلام قادر على ابتلاع المعنى الأصيل والحقيقي لشعب أصيل وحقيقي ولأرض ولادة خصبة.
إن الحركة هي جوهر الحياة، وهي السمة الأصدق للإنسان قبل أن تكون قانونًا فيزيائيًا، نحن نتحرك لأننا نؤمن أن الغد يمكن أن يكون أفضل.
ننهض لأن أرواحنا خُلقت للحياة لا للاستسلام.
نحب هذا الوطن لأننا نعرف أنه، رغم كل ما مرّ به، ما زال قادرًا على أن يمنحنا أسبابًا جديدة للتمسك به، فوز العراق ليس بطولة رياضية بقدر ما هو تذكيرٌ عميق بأن هذا الشعب لم يُخلق للحرب.
العراقي، في جوهره، صانع حياة، يبني حتى بعد الهدم، ويزرع حتى في الأرض المتعبة، ويبتسم رغم كل ما يثقل القلب.
قد يظن صُنّاع السلاح أنهم أكثر حضورًا، وأن ضجيج الحرب أعلى من أي صوت آخر، لكنهم ينسون أن صوت الحياة أبقى.
الهتاف في الشوارع، ضحك الأطفال و هم يحملون العلم، دمعة فخر في عين أبٍ أو أم، صراخ الشباب الذي يفتح الصدر على نفس عميق، كل ذلك أقوى من مشهد الدمار، لأنه يؤكد أن الروح الإنسانية لا تُهزم. الوطن ليس حدودًا وجغرافيا فقط،
الوطن هو هذا الشعور الذي يجمع القلوب في لحظة فرح واحدة، هو الحب الذي يجعل العراقي في أي مكان من العالم يشعر أن النشيد يمرّ في دمه، لتقفز دمعة الحب والفخر والاعتزاز.
الوطن هو الذاكرة، والكرامة، واللغة، والأمهات اللواتي ما زلن يدعين للعراق أن ينهض.
وحين يفوز العراق، لا ينتصر فريق وحسب، بل تنتصر فكرة أن هذه الأرض تستحق الحياة.
تنتصر المحبة على القسوة، والأمل على اليأس، والحياة على الموت.
إنه انتصار الوطن في صورته الأجمل:
وطنٌ ما زال قادرًا على الحب، وما زال أهله قادرين على أن يفرحوا..

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق