هواء ثقيل.. سمية زكي البطاط تستعيد بدر شاكر السياب في سيرة روائية متخيّلة
نخيل نيوز /خاص
صدر حديثا عن دار الشؤون الثقافية العامة رواية (هواء ثقيل) للكاتبة والإعلامية العراقية سمية زكي البطاط، في عمل سردي جديد يستعيد تجربة الشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب عبر سيرة متخيّلة، تمتد في مناطق معتمة من الذاكرة والروح، وتقترب من الإنسان الذي عاش خلف القصائد، ومن الأوجاع التي صنعت واحدة من أكثر التجارب الشعرية فرادةً وتأثيراً في تاريخ الشعر العربي الحديث.
وتقع الرواية في 416 صفحة، لتقدّم مقاربة سردية مختلفة لعالم السياب، لا تتوقف عند محطات حياته المعروفة أو عند ما كُتب عنه من قراءات وسِيَر، وإنما تسعى إلى النفاذ إلى ما وراء الصورة المألوفة للشاعر؛ إلى هشاشته الإنسانية، ووحدته، وأسئلته الوجودية، وصراعه مع الجسد والمرض والمنفى، وإلى ذلك التوتر العميق بين انكسار الإنسان واتساع القصيدة.
وتأتي خصوصية (هواء ثقيل) من اشتغالها على السيرة المتخيّلة بوصفها أفقاً لإعادة اكتشاف الشخصية، لا مجرّد إعادة سرد لحياة الشاعر. فبدر شاكر السياب، الذي فتح في الشعر العربي الحديث نوافذ جديدة للرؤيا والتعبير، لم يكن صاحب تحوّل شعري فقط، وإنما كان تجربة إنسانية مثقلة بالحنين والفقد والخيبات، وظلّ في مواجهته مع الحياة يكتب كأن القصيدة محاولة أخيرة لتأجيل العدم، أو انتزاع معنى من عالم يضيق على صاحبه.
ومن هذا المنظور، تبدو الرواية محاولة للاقتراب من المسافة الفاصلة بين الشاعر وقصيدته، وبين ما عاشه فعلاً وما تركه الشعر مفتوحاً على التأويل؛ وهي مساحة تمنح التخييل الأدبي قدرته على استنطاق المسكوت عنه، وإعادة تشكيل التجربة من داخلها، بعيداً عن التوثيق التقليدي أو استعادة الوقائع بصورتها المألوفة.
ولا تنحصر أهمية هذا الإصدار في عودته إلى شخصية السياب، التي ما تزال تجربتها الشعرية والإنسانية تستدعي قراءات متجددة، بل في سعيه إلى تقديم رؤية مختلفة عمّا كُتب عنه سابقاً، وكذلك عمّا عرفه القارئ في تجربة سمية زكي البطاط نفسها، بما يفتح أمام الكاتبة أفقاً سردياً جديداً، تتقاطع فيه الذاكرة بالتخييل، والتاريخ بالحساسية الروائية، والشخصية الحقيقية بأسئلتها التي لم يستنفدها الزمن.
إن (هواء ثقيل) عنوان يشي، في ظلاله، بما قد تحمله تجربة السياب من ثقل الوجود وضيق العالم واتساع الألم؛ فثمة أرواح تعيش الحياة كما لو أنها تحمل سماءً كاملة فوق صدورها، وثمة شعراء لا تنتهي حكاياتهم برحيلهم، لأن ما تركوه من أسئلة يظلّ قادراً على استدعائهم من جديد.
وبصدور هذه الرواية عن دار الشؤون الثقافية العامة، تعود شخصية بدر شاكر السياب إلى فضاء الكتابة، بوصفها تجربة مفتوحة على احتمالات القراءة والتأويل، وشاهداً على أن حياة الشاعر قد تنتهي، لكن العوالم التي يوقظها شعره تظلّ قادرة على منح الكتابة حياة أخرى.


ارسال التعليق