ذهبت السَّكْرة وحلّت الفِكْرة!
أياد السماوي
كاتب وباحث | عراقي
ذهبت سَكْرة تشكيل الحكومة وانتصار قوى المحاصصة، وحلّت فِكْرة الوطن، فالمحاصصة قد انتصرت في نهاية المطاف على مشروع الإصلاح.
اكتملت الكابينة الوزارية، وانتهت معركة توزيع الحقائب، لكن السؤال الذي لا يمكن الهروب منه هو ماذا بعد؟ وهل ستعود الحكومة إلى النهج ذاته الذي أدخل العراق في دوامة الأزمات المالية والاقتصادية، أم أن لحظة التفكير قد حانت لمراجعة المسار وإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟.
لقد كشفت معركة تشكيل الحكومة أنّ المحاصصة السياسية ما زالت تمتلك الكلمة الفصل في توزيع المناصب الوزارية، وأنّ مشروع الإصلاح الذي رُفعت شعاراته اصطدم مجدداً بمصالح القوى التي ترى في الوزارات حصصاً سياسية وامتيازات حزبية، لا مؤسسات دستورية لخدمة الدولة والمواطن.
وبذلك تبددت آمال الذين انتظروا حكومةً تنطلق من مشروع إصلاحي واضح، وتضع الكفاءة والنزاهة والاستقلالية فوق الولاءات الحزبية.
لكنّ تشكيل الحكومة ليس نهاية المطاف، كما أنّ انتصار المحاصصة في معركة توزيع الحقائب لا يعني بالضرورة انتصارها في معركة إدارة الدولة. فالمعركة الحقيقية تبدأ الآن، حين يجلس الوزراء خلف مكاتبهم، ويواجهون استحقاقات الموازنة العامة، والعجز المالي، وتراجع قدرة الاقتصاد على خلق فرص العمل، واستمرار الاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية.
وهنا نصل إلى السؤال الأهم هل ستكون الوزارات ملكاً للأحزاب التي رشّحت وزراءها، أم مؤسساتٍ للدولة العراقية تخضع لسلطة القانون والبرنامج الحكومي وقرارات مجلس الوزراء؟
إنًّ الوزير الذي يدخل الوزارة حاملاً ولاءه لكتلته السياسية قبل ولائه للعراق، لن يكون قادراً على تنفيذ إصلاح حقيقي إذا تعارضت متطلبات الدولة مع مصالح الجهة التي رشّحته.. والوزارة التي تُدار بوصفها حصةً حزبية ستظل عرضةً لتغليب المصالح السياسية على المصلحة العامة، وسيبقى الإصلاح المالي والإداري رهينةً للتوازنات التي صنعت الأزمة أصلاً.
من هنا فإنّ المسؤولية تقع اليوم على عاتق رئيس مجلس الوزراء والوزراء الذين تسلّموا مسؤولياتهم، بأن يثبتوا أنّ الحكومة ليست مجرد اتفاق لتقاسم السلطة، بل سلطة تنفيذية مسؤولة عن إدارة الدولة. فاستقلال الوزير عن الجهة التي رشّحته ليس موقفاً سياسياً ضد حزبه، وإنما التزام دستوري وأخلاقي بأن تكون قراراته لمصلحة العراق، لا لخدمة المصالح الخاصة أو الحسابات الانتخابية.
والاختبار الأصعب أمام الحكومة هو الإصلاح المالي والاقتصادي. فلا يمكن للعراق أن يواصل إدارة اقتصاده بالاعتماد على النفط وحده، فيما تتضخم النفقات العامة، وتتراكم الالتزامات المالية، وتظل قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة والاستثمار الخاص دون مستوى ما يمتلكه البلد من إمكانات وثروات. إنّ الانتقال من اقتصاد أحادي الجانب إلى اقتصاد متنوع ليس ترفاً ولا شعاراً يُضاف إلى البرنامج الحكومي، بل ضرورة لحماية الاستقرار المالي، وتوفير فرص العمل، وتقليل هشاشة الدولة أمام تقلبات أسعار النفط وأزمات التصدير. وهذا التحول لن يتحقق بتغيير أسماء الوزراء أو توزيع الحقائب، وإنما بقرارات حكومية جريئة تعيد ترتيب أولويات الإنفاق، وتكافح الفساد، وتحرر الاستثمار من البيروقراطية، وتمنح القطاع الخاص دوراً حقيقياً في قيادة النشاط الاقتصادي وخلق الوظائف.
ولن يكون هناك إصلاح مالي حقيقي ما دامت الموازنة العامة أسيرة النفقات المتضخمة، والعجز المتكرر، والمصالح التي تقاوم كل محاولة للمراجعة والتصحيح. كما لن يكون هناك اقتصاد متنوع ما دامت الوزارات تُدار بمنطق الحصص، وتُعطَّل القرارات التي تمس مصالح القوى النافذة، وتُقدَّم الولاءات السياسية على معايير الكفاءة والإنتاج.
إنّ القوى السياسية التي شاركت في تشكيل الحكومة مطالبة اليوم بأن تختار بين طريقين لا ثالث لهما، إما الاستمرار في نهج المحاصصة، بما يحمله من مخاطر على الاقتصاد والدولة ومستقبل الأجيال، وإما فتح المجال أمام رئيس الوزراء ووزرائه للعمل باستقلالية، وتنفيذ برنامج إصلاحي يعيد بناء المؤسسات ويضع الثروة الوطنية في خدمة التنمية.
ذهبت السَّكْرة وحلّت الفِكْرة، وانتهى زمن الاحتفال بتوزيع الحقائب، وبدأ زمن الحساب على النتائج. فالعراقيون لا ينتظرون حكومةً تتقاسم فيها الأحزاب الوزارات، بل دولةً تتقاسم فيها المسؤوليات، وتُدار فيها الثروة بعقل اقتصادي، وتُقاس فيها قيمة الوزير بما ينجزه لا بالجهة التي رشّحته.
أما الإصلاح فإذا بقي أسير المحاصصة، فسيظل حلماً بعيد المنال، وستبقى الدولة تدور في الحلقة ذاتها، مهما تغيّرت الوجوه والعناوين.
لقد حان وقت الفِكْرة، إما أن تكون الوزارات للعراق، وإما أن تبقى الدولة رهينة المحاصصة. وبين هذين الطريقين يتحدد مستقبل الإصلاح ومستقبل العراق.

ارسال التعليق