المرأة في السياسة العراقية بين الحضور والتأثير
ندى سلطان /كاتبة عراقية
قبل مدة كتبت مقالاً تناولت فيه المرأة في السياسة العراقية، كان المقال متشعباً لكنه ضرب عدة نقاط وأثار حفيظة البعض ممن يرين أنفسهن في مصافي القياديات والسياسيات الحقيقيات اللاتي نقرأ ونسمع عنهن.. ما دفعني أن أتابع وبحرص شديد بعض ممن يسمين أنفسهن قيادات نسوية أو سياسية.. وشعرت بأسف شديد حيالهن لافتقارهن لأقل وأبسط مقومات القيادة الحقيقية والمنطق السياسي المعتدل.. ولذلك أود في هذا المقال أيضاً أن أتناول هذا الجانب لكونه مهماً جداً ، ولا يقل أهمية أبداً عن واقع الرجال في السياسة حتى وإن أخذنا بعين الاعتبار الفوارق الجسمانية والنفسانية للجنسين..
إنَّ حضور المرأة في السياسة العراقية اليوم لم يعد أمراً مفاجئاً كما كان دائماً طيلة عقود... مع بروز أسماء لامعة تصدرت المشهد السياسي منذ تأسيس الدولة العراقية حتى اللحظة.. فقد اعتاد العراقيون رؤية أسماء نسائية في قوائم المرشحين وعلى شاشات التلفزيون وتحت قبة البرلمان. لكن هذا الاعتياد لا يعني بالضرورة أنَّ حضور المرأة قد تحول إلى تأثير حقيقي ولا يعني أنَّ الطريق أصبح سهلاً أو ممهداً. فبين الحضور والتأثير مسافة طويلة لا تختصرها الأرقامُ ولا تبت فيها نسب المشاركة النسوية في أية دورة تشريعية .
فقبل عام 2003 وإبان النظام الصدامي البائد لم يكن المجال السياسي مفتوحاً بالقدر الذي يسمح بتجارب نسوية مستقلة نعم كانت المشاركة النسائية موجودة، لكنها محدودة ومقيدة بسقف العمل التنظيمي الحزبي القائم آنذاك ، بحيث يصعب الحديث عن دور سياسي نسوي فاعل أو عن مبادرات مستقلة تُحدث فرقاً حقيقياً... ومع التغيرات التي شهدها العراق بعد ذلك العام بدا وكأن صفحة جديدة قد فُتحت أمام المرأة، خاصة مع اعتماد نظام الكوتا النسائية الذي خصص للنساء ما لا يقل عن ربع المقاعد البرلمانية. هذه الخطوة في حينها، بدت كأنها نقطة تحول مهمة، ليس فقط لأنها رفعت نسبة التمثيل بل لكونها كسرت حاجزاً نفسياً واجتماعياً طالما أعاق دخول النساء إلى العمل السياسي حتى وإن لم يكن بمستوى الطموح... ومع مرور الوقت ظهرت تجارب نسوية أثبتت أن المرأة العراقية قادرة على مزاولة العمل السياسي لكن في صورة (معقبة معاملات) لا في صورة البرلمانية التي تشرع قوانين وتصوت على مقررات مهمة.. حتى في الحكومات المتعاقبة وصولاً إلى الحكومة الحالية تولت نساء حقائب وزارية وشاركن في لجان برلمانية حساسة لكن تحت ظل الرجل، ومع وجود ملفات اجتماعية مهمة مثل التعليم والصحة وقضايا المرأة والطفل ورغم أن بعض هذه التجارب كان لافتاً من حيث الجدية والالتزام وأعطى انطباعاً بأن تمكين المرأة سياسياً ليس أمراً مستحيلاً بل مسألة وقت وإرادة لكنه ظل محصوراً على إشراكها بوصفها حصة حزبية أكثر من كونها سياسية حقيقية يمكنها تولي ملف معين والعمل عليه لوحدها. فقد اعتدنا أن الصورة ليست دائماً بهذه الإيجابية فخلف الأرقام التي تشير إلى ارتفاع نسبة تمثيل النساء.. هناك عقبات حقيقية تحد من فاعلية هذا الحضور... المجتمع في جزء منه، ما زال ينظر إلى السياسة باعتبارها مجالاً ذكورياً بحت! ، ويُبقي على تصورات تقليدية حول دور المرأة وحدود مشاركتها.. هذه النظرة لا تظهر دائماً بشكل مباشر، لكنها تتجلى في ضعف الدعم المجتمعي للقيادات النسوية وفي التشكيك المستمر بقدراتهن، وفي محاولات التقليل من شأن أي نجاح تحققه امرأة في موقع سياسي!
أما داخل الأحزاب.. فالتحديات تأخذ شكلاً أكثر تعقيداً إذ إن الوصول إلى مواقع القرار لا يعتمد فقط على الكفاءة، بل على موازين القوة داخل التنظيمات السياسية، وهي موازين لا تكون في كثير من الأحيان لصالح النساء.. فأغلب النساء دخلن المعترك السياسي ضمن قوائم حزبية، لكنهن وجدن أنفسهن في مواقع محدودة التأثير، تُستخدم أحياناً لاستكمال صورة تمثيلية أكثر منها لإشراك حقيقي في صناعة القرار. وهنا تظهر المشكلة الأساسية التي يمكن من خلالها أن نجزم أن وجود المرأة داخل المؤسسة لا يعني بالضرورة امتلاكها القدرة على التأثير داخلها.
ولا يمكن تجاهل التحديات الأمنية والإعلامية التي واجهت المرأة السياسية في العراق. فالعمل السياسي في بيئة متقلبة يحمل بطبيعته مخاطر متعددة، لكن المرأة غالباً ما تتحمل عبئاً إضافياً يتمثل في حملات التشويه أو الانتقاد الشخصي الذي يتجاوز حدود الأداء المهني. في كثير من الأحيان، يتحول النقاش حول المرأة السياسية إلى حديث عن مظهرها أو حياتها الخاصة، بدلاً من تقييم مواقفها أو إنجازاتها، وهو أمر يضعف من صورة العمل السياسي نفسه قبل أن يسيء إلى المرأة...كما أن الجدل قائم حتى الآن حول جدوى الكوتا النسائية! فمن جهة لا يمكن إنكار أنها فتحت الباب أمام مشاركة واسعة، ومنحت النساء فرصة الوجود في مواقع لم يكن من السهل الوصول إليها سابقاً... لكنها ومن جهة أخرى لم تضمن دائماً حضوراً نوعياً مؤثراً، خصوصاً عندما يتم اختيار بعض المرشحات وفق اعتبارات شكلية أو حزبية ضيقة. فالكوتا، في حقيقتها كانت خطوة ضرورية، لكنها اليوم وبعد عدة دورات انتخابية تثبت أنها ليست كافية وحدها لصناعة قيادات نسوية مؤثرة! لأنَّ الفارق بين الحضور والتأثير هو ما يحدد قيمة المشاركة النسائية في السياسة ولأنَّ يمكن قياسه بالأعداد، أما التأثير فيُقاس بالقدرة على اتخاذ القرار، وعلى الدفاع عن المواقف، وعلى طرح رؤى تسهم في تحسين الواقع السياسي والاجتماعي...وهذا التأثير لا يولد فجأة من لا شيء بل يعتمد وبشكل كبير على وجود بيئة سياسية صحية من الأساس أولاً وإلى دعم مؤسساتي حقيقي وإيمان مجتمعي بقدرة المرأة على القيادة.. وقبل كل هذا وذاك، إيمان المرأة بذاتها وبقدراتها...
ولا يمكن تجاهل دور الإعلام في رسم صورة المرأة السياسية. فحين يُختزل حضورها في تفاصيل شكلية أو تُقدَّم بصورة نمطية سيصبح من الصعب على الجمهور أن يراها كقائدة سياسية كاملة الأهلية. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح التأثير الإعلامي أكثر اتساعاً سواء كان ذلك إيجاباً وسلباً.. حيث يمكن أن يتحول أي خطأ بسيط إلى حملة واسعة، أو أن يتحول أي نجاح إلى مصدر إلهام لنساء أخريات يفكرن في خوض التجربة ذاتها.
إلا أنني ومع كل ما سبق أعلاه... ما زلت أؤمن بأنَّ المستقبل ورغم كل التعقيدات والتخبطات التي يمر بها العراق، يحمل فرصاً حقيقية إذا ما جرى التعامل مع قضية تمكين المرأة بوصفها جزءاً من مشروع إصلاح سياسي شامل... فالمرأة لا تحتاج فقط إلى مقعد في البرلمان ولا إلى منصب يخولها بمنح تواقيع وتراخيص بقدر ما تحتاج إلى تدريب وتأهيل وفرص متكافئة داخل الأحزاب، وإلى بيئة قانونية ومجتمعية تحمي مشاركتها وتدعم استقلالها. كما أن تمكين المرأة اقتصادياً يمثل عاملاً أساسياً في تعزيز حضورها السياسي، لأن الاستقلال المادي يمنحها قدرة أكبر على اتخاذ قرارات مستقلة. ولا ينبغي النظر إلى مشاركة المرأة في السياسة باعتبارها مطلباً نسوياً فحسب وإنما ضرورة وطنية... فالدولة التي تسعى إلى بناء نظام سياسي متوازن لا يمكنها أن تستغني عن طاقات نصف مجتمعها مهما كانت نظرة المجتمع لها... وبين الحضور والتأثير، ما زال الطريق طويلاً لكنه ليس مستحيلاً. فكل خطوة حقيقية نحو تمكين المرأة سياسياً هي خطوة نحو دولة أكثر عدلاً وتوازناً، دولة تقوم على الشراكة في المسؤولية، لا على الاكتفاء بالمظاهر الشكلية للنساء.

ارسال التعليق