العشيرة السياسية وحرية التعبير

عامر الطيب

 

 

عامر الطيب/شاعر و صحفي عراقي

 

عام 1925 نص أول دستور عراقي حديث في الجزء الأول المسمى حقوق الشعب في مادته الثامنة عشرة على أنَّ للعراقيين حرية التعبير عن الآراء ونشرها والالتقاء بها وتكوين الجمعيات والمشاركة فيها ضمن القانون وهذه  هي الفقرى الوحيدة التي تنص على حرية التعبير وقتها. 
بعد ذلك جاء دستور عام 1958 المؤقت الذي سيذكر حرية التعبير في المادة الثلاثين منه وفي الفقرة العاشرة إشارة إلى حرية المعتقد والتعبير التي يكفلها وينظمها القانون ثم دستور العام 1964 المؤقت، الذي نص على أن حرية الرأي وحرية البحث العلمي مكفولتان، وأن لكل شخص الحق في التعبير عن رأيه ونشره بالكلمات والكتابة والصور وما إلى ذلك في نطاق القانون ،كما أكّدت المادة (30) أن حرية الصحافة والطباعة والنشر مكفولة في نطاق القانون.
أما الدستور المؤقت آخر لعام 1970، والذي سُمّي الدستور المؤقت لجمهورية العراق فقد نص في الفقرة (26) منه حرية الرأي والنشر والاجتماعات والمظاهرات وإنشاء الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات، في نطاق القانون وفقا لمقاصد الدستور. 
و عام 1990 فقد نصت المادة (53) من دستور - لم ير النور - على حرية الفكر والرأي والتعبير أيضا . 
ليس في الدساتير فحسب إنما في الذهنية المجتمعية يبدو مصطلح حرية التعبير مستهلكاً لكثرة تداوله في عراق اليوم إذ ينظر بسطحية على أن حرية التعبير تعني القدرة على قول شيء يزعج السلطات الاجتماعية أو الدينية أو العشائرية ثم المضي إلى البيت بسلام ، أي أن ضمان حرية التعبير هو أنك ما زلت تعيش حتى لو تم تخوينك أو تهديدك أو مطاردتك وتتم بالطبع المقارنة مع ما كان عليه الوضع أيام نظام صدام حسين . 
الحريات الشخصية العراقية مهددة بصريح القول كما أن الأمر يتطلب تعريفا جديدا لحرية التعبير ، تعريف جديد بالنسبة للحالة العراقية بالطبع حيث ينبغي الانطلاق من فهم حرية التعبير على أنها الدفاع عن القول المخالف وحمايته إذ ليس من المنطقي الجمع بين نظام ديمقراطي يستند إلى أصوات الناخبين وأساليب بدائية بإسكات الأصوات من قبيل شراء الأصوات المعارضة منها وتسطيحها واستفزازها فضلا عن اتهامها بالعمالة وهو أسهل إتهام يمكن أن يتعرض له أي عراقي يطرح رأيا يهدد المنظومة السياسية التي عبرت هي عن فشلها على لسان أهم مؤسسيها نوري المالكي.

مع حكومة السوداني حدثت ظاهرة قد تبدو طارئة في الدولة العراقية لحد كبير ، صحيح أن احتماء الدولة بالعشيرة وارد في تاريخ الحكومات العراقية لكن كان ذلك إزاء خطر دولي أو محلي وليس إزاء رأي مخالف.

وبعد قرن من كتابة أول دستور عراقي وفي أكتوبر 2025 ، تجمع العشرات من أبناء عشيرة السوداني رئيس الوزراء العراقي الحالي  أمام منزل المفكر والمحلل السياسي غالب الشابندر في بغداد، استنكارا لتصريح الشابندر الذي قال فيه أن السوداني ووالده بعثيان.

وبالرغم من أن تصريحا مثل هذا كان يمكن أن ينتهي ببيان أو بمقال توضيحي للسوداني بشأن انتمائه هو أو والده لحزب البعث إلا أن السوداني لجأ لأبناء عشيرته وهو فعل لو نجح فيه السوداني بإسكات الشابندر لتحول إلى ممارسة سياسية جديدة يحتمي بها الزعماء السياسيون بعشائرهم الأمر الذي يؤدي إلى تهميش الدور القانوني تدريجياً.
ليس هذا حدثا خاصا إنما حدث دال وقد أخذ حيزا في الإعلام إذ شفعت مكانة الشابندر كداعية قديم وسنه وأهميته كمفكر شيعي وصديق لعدد كبير من السياسين بنحو ما، تلك الأسباب كلها حققت للرجل نجاة محسومة من عواقب كلمة صريحة بشأن رئيس وزراء خيل للكثيرين أنه قادم من مناخ محلي بمعنى أنه عاش حياة الصمت والخوف و الإعدامات ومن المفترض أن يكون أكثر أريحية تجاه من يخالفه.

وحال أنه لم يسع النظام العراقي إلى فهم حرية التعبير سوى بشقها السياسي أي بإسنادها إلى حق التصويت في الانتخابات وحرية اختيار الورقة البيضاء أو السوداء من الصندوق العتيق نفسه وليست تلك مشكلة النظام وحده بقدر ما هي مشكلة البيئة الاجتماعية الحاضنة التي ساهم النظام بنسجها حوله كخيوط رفيعة لكنها تعيق النظر إلى عيوب ذلك النظام.

وضمن ذلك السياق أجد أننا بأشد الحالة لتأسيس هيئة مستقلة جديدة يتم اختيار أعضائها من قبل الجامعات العراقية لتكون الهيئة مختصة بالحفاظ على الحريات الفردية والجماعية و بتمييز ما يمكن أن يعد محتوى هابطا أو محتوى مخالفا للذوق العام فضلا عن الوقوف على تعريفات متمايزة للذوق العام فالكلمة المطاطية قد لا نعرف لها حدودا لذا فإن من واجب الهيئة المفترضة فحص كل فعل تقوم به السلطة تجاه كل شخصية إعلامية أو دينية بغرض الحفاظ على قدر ممكن من الحريات الشخصية للعراقيين.

أننا بالطبع لا تملك إرثا سياسيا يدعم الحريات الفردية لكننا نملك إرثا ثقافيا ودينياً فيه العديد من الإشارات على سماع الآخر وجداله بأكثر الطرق شفافية وسلاما و ربما يتيح ذلك للهيئة تأسيس مدونة قانونية عراقية جديدة بواسطة عدد من فقهاء القانون واللغة إضافة إلى رجال الدين الكبار والمؤرخين والمفكرين السياسيين إذ أن الدولة لا تتأسس بالممارسة فحسب إنما عبر صنع مفهومها أولا، الفكرة ثم العمل كما أن حرية الرأي مكسب جوهري في بناء دولة عراقية جديدة وهو مكسب تراكمي إلى حد ما لكنه مكسب هام للبدء به الآن قبل أن نلجأ ذات جميعا يوم للاحتماء بعشائرنا وهو تخوف ساخر لكنه ليس بعيداً عن التحقق في عراق لم تتأسس به حتى الآن أية رؤية سياسية واضحة لإدارة شؤونه. 
هل نتذكر نصيحة درويش الشهيرة الآن:
" سنصير شعبا حين ننسى ما تقول لنا القبيلة'؟!

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق