الخروج من اللعبة.. رحلة لاستعادة حياتك من فخّ التلاعب
نخيل نيوز /خاص
ترصد الكاتبة "زوينة سالم" في كتابها "الخروج من اللعبة" الصادر عن "الآن ناشرون وموزعون" (2026)، والواقع في 513 صفحة من القطع المتوسط، فخِّ التلاعب النفسي في العلاقات الإنسانية، وتُرشد الواقعين في الفخ إلى كيفية الخروج منه.
ومنذ حروف الكتاب الأولى يتضح سبب عزمها على كتابته، إذ تقول عنه: "الكتاب الذي وددتُ لو كنتُ قرأتُه وأنا في العشـرين أكثر من كوني كتبتُه وقد تجاوزتُ الخمسين"؛ فهي تسعى إلى تجنيب القرّاء مرارة الوقوع في الفخ وآثاره المؤذية لمدة طويلة، وتحلل جوانب التلاعب النفسي وأنماطه وطرق التعرّف عليه ومواجهته، آملة أن يكون الوعي به سلاحًا يذود عن قارئه، ويوفّر عليه سنواتٍ من التخبّط في ظلامية التلاعب.
يقع الكتاب في سبعة فصول مرتبة ترتيبًا منطقيًّا، تسبقها توطئة لموضوع الكتاب معنونة بـ"في الظلام وحيدة"، وفيها تظهر مفارقة بين تفاعل الإنسان مع تراجيديا سينمائية وبتفاعله مع قصّة إنسانية حقيقية، وتشبّه الكاتبة علاقة التلاعب بالشاشة السوداء التي تلي كلمة "النهاية"، والتي لا يهتمّ أحد بمطالعة المكتوب فيها، وتقرّر أن هذا السواد المهمَل يشبه حياة ضحية التلاعب وضياعها لحظة إدراك وجودها في علاقة متلاعبة مستنزِفة.
كما تلقي الضوء على الخطّ الرفيع بين التلاعب والمشاعر الإنسانية الطبيعية، وكيف يمكن له أن يختبئ خلف تلك المشاعر دون أن يشعر المتلقي بخللٍ فيها، موضحة هدفها من سرد الكتاب بالقول: "هذا الكتاب هو جهدٌ تحليلي لفهم التناقضات المربكة، والرسائل المتخفية في اللغة والسلوك، تلك التي تُربك الوعي، وتُطبّع الأذى، وتُضعف القدرة على التمييز بين الاختلاف الطبيعي في العلاقات الإنسانية، وبين النمط التلاعبي المستمر الذي يستنزف الأمان النفسي ويشوّه الحدود".
أما الفصول السبعة فيختصّ كلّ منها بجانب من جوانب التلاعب النفسي في العلاقات الإنسانية، وقد مزجت الكاتبة فيها بين المنهجين التحليلي والتقريري، وهي مقسّمة كالتالي:
- الفصل الأول: مختبر الذات.
في هذا الفصل تهدف زوينة سالم إلى تنبيه القارئ إلى أهمية التعرّف على الذات من الداخل، وأن اكتشاف البوصلة الداخلية هو خط الدفاع الأول ضد التلاعب الظلامي، لأن التلاعب لا يبدأ من الخارج بل يترصّد المتلاعب لنقاط الضعف الذاتية ويستغلّها لصالحه، فإن لم يجد مدخلًا إلى ذلك، لم ينجح تلاعبه لأنه واجه نفسيةً صلبة. تقول: "ولهذا، فإن أوّل خط دفاع حقيقي في مواجهة التلاعب ليس الانشغال بكشف نوايا الآخرين، بل باستعادة وضوح علاقتنا بأنفسنا. فالتلاعب لا ينجح لأنه قويّ فحسب، بل لأنه يجد داخلنا مناطق غير مُعرَّفة جيدًا: خوفًا لم يُفهم، أو حاجةً لم يُعترف بها، أو تحيّزًا معرفيًّا يعمل في الظل".
- الفصل الثاني: ماذا يعني التلاعب؟
يهدف هذا الفصل إلى تعريف معنى التلاعب، ومتى يكون مؤذيًّا سامًّا، وتفرّق الكاتبة فيه بين التلاعب البسيط النابع من غريزة البقاء ومنح الأولوية للنفس، والتلاعب المقصود الذي يُتّخذ وسيلة دائمة في العلاقات، كما تفرق بين الإقناع والتلاعب، وتجيب عن السؤال الفيصلي: هل كل تأثير تلاعب؟ وتوضّح الفرق الجوهري بينهما وهو أن التأثير لا يلغي استقلالية الفرد ولا يقوّض حكمه الخاص على الأمور، أما التلاعب فيهدم شخصية المتلقي ويجبره على تبني خيارات المتلاعب حتى لو خالفت رغبته.
كما تسرد الكاتبة في هذا الفصل أنماط التضليل التي يستخدمها المتلاعب وتكشف حيله المتنوعة التي يتلاعب من خلالها بضحاياه، ولا تكتفي بذلك بل تسوق أساليب الدفاع ضد هذه الأنماط وكيف تكتشفها الضحية وتواجهها، بل كيف حتى تقلب قواعدها لصالحها إلى درجة تمكنها من التلاعب بالمتلاعب نفسه ناهيك عن التحرر من سيطرته وأعوانه من المتواطئين!
- الفصل الثالث: التلاعب بالعقل.
بدءًا من هذا الفصل ولثلاثة فصولٍ تليه تورد الكاتبة أنماطًا من التلاعب النفسي، وتفصّل جوانب كل نمطٍ منها وكيف يطبّقه المتلاعب الظلامي على ضحيّته، وكيف تكتشفه وتواجهه لإنقاذ نفسها.
في هذا الفصل، تفصّل الكاتبة أشهر نمطٍ للتلاعب النفسي في العلاقات وهو التلاعب بالعقل، وتصفه بأنه "المظلّة الأوسع التي تضم كل أشكال التأثير الخفي في الحياة النفسية للإنسان".
ولخطورة هذا النمط من التلاعب ابتدأت به الكاتبة واعتنت به، لأنه حين يُتلاعَب بعقل الإنسان لا يعود مميِّزًا لقراره الخاص ويفقد حكمه الذاتي ليشكّ في أهم نعمة لديه؛ عقله.
تقول الكاتبة: "حين يمارس المتلاعب الظلامي فعله، فهو لا يستهدف حدثًا واحدًا أو فكرة عابرة؛ بل يوجّه هجماته نحو البنية الداخلية للعقل. تمتد قبضته إلى المشاعر مثل الخوف والذنب والحب والعار، وإلى المعتقدات والقيم الراسخة، وإلى صورة الإنسان عن نفسه، واحتياجاته ورغباته، وطريقة تفكيره واتخاذه للقرارات".
- الفصول الرابع والخامس والسادس.
على وتيرة الفصل الثالث تستمرّ هذه الفصول في تفنيد أنماط التلاعب، وتلقي الضوء على الخفيّ منها وما قد لا يكون معتبرًا لدى الكثيرين حين يفكّرون بموضوع التلاعب في العلاقات، فهي تورد تلك الأفكار الجديدة وتسلّط عليها الضوء لتضعها نصب الأعين، وقد عنونت تلك الفصول على الترتيب: التلاعب بالقلب، التلاعب المالي، التلاعب السحريّ.
- الفصل السابع: كسر القواعد!
بعد تلك الرحلة الطويلة بين صفحات الكتاب، نصل إلى نهاية الطريق، المرسى الآمن الضروري لتوظيف كل تلك المعرفة المكتسبة من ستة فصولٍ خَلَت، والغاية التي لم تكن لتتحقق إلا بعد الجولة التفصيلية التي أخذتنا خلالها الكاتبة. في هذا الفصل نتعلّم كيف نكسر أصنام التلاعب ونستقي الحكمة من كائنات سبقتنا إلى التكيّف، ونتعرّف من خلال خطوات عملية مرتّبة كيف ننجو من التلاعب الظلامي وننقذ أنفسنا من فخّه مستعيدين حيواتنا الطبيعية.
لم تمنحنا زوينة سالم كتابًا علميًّا بحتًا ولم تقدّم لنا حكاية خيالية من الأدب؛ بل قدّمت تحفة سرديّة خلطت فيها هذا بذاك، لنجد في "الخروج من اللعبة" من متانة العِلم ومنطقيّته، ومن بلاغة الأدب وسحره، لذا لم تكن قراءته مرهقة بالتوجيه والتحليل ولم تكن منفصلة عن الواقع بالخيال والأساطير، بل كانت قراءة دعمت فيها متعةُ الأدب حِكمة العِلم، لتتحقق فيه تلك المعادلة الصعبة من الإفادة والاستمتاع.
زيّنت الكاتبة خواتيم فصولها بقصصٍ واقعية متخيَّلة؛ شخوصها من الخيال وأحداثها واقعٌ متكرر، وبتلك القصص ظهرت مَلَكتها الأدبية الفريدة وأسلوبها البليغ الخفيف بعباراته النافذة إلى المشاعر وقويّة الوقع في النفس، لتثري بتلك التجارب الإنسانية نظرياتها التحليلية، وتعزز بها استنتاجاتها العلاجية.
بَنَت زوينة سالم كتابها بناءً دائريًّا مطعّمًا بقوّة المفارقة، فقد افتتحت كتابها بتوطئة سينمائية تصور ضحيّةً "في الظلام وحيدة"، ثم تُقطع تلك الرحلة الطويلة في سبعة فصول ومئات الصفحات لنصل إلى الختام المسرحيّ بامتياز ونرى الضحية ذاتها تقف "وحيدة تحت الضوء" بعد أن تحرّرت من ظلام التلاعب، في مفارقة بليغة تردّنا إلى نقطة البداية لكن بمشهد ونفسية مختلفين! لتكون تلك خاتمة الكتاب لكنّها بداية القارئ إلى حياة مطمئنة هانئة ورحلة فرديّة بقرار ثابت وقناعة راسخة.
تقول واصفة المشهد: "لم تتخلّص من وحدتها، لكنها تحررت في اللحظة التي انسلخت فيها من قصتها وعادت إلى مقاعد المتفرجين. أمكنها أخيرًا مشاهدة حياتها للمرة الأولى لا بألم، بل بسلامٍ غريب؛ لا كبطلةٍ لا تُهزم، ولا كضحيةٍ نقية، ولا كمعلمٍ حكيم، ولا كتلميذٍ خائب، ولا كامرأةٍ ناجحة، ولا كظلّها الهارب، بل كإنسان مستنير".
ومع ذلك الطابع الأدبي الواضح لم تتخلَّ الكاتبة عن القياس العلميّ الملائم لمثل هذا الموضوع الشائك، فذيّلت غالبية فصول كتابها بأسئلة تفكّرية محدّدة، تساعد إجاباتها القارئ على استخلاص معرفة دقيقة بنفسه ووضعه وتنير إليه الطريق واضحًا للتقييم والحلّ، كما بيّنت هدفها منها بوضوح: "هذه الأسئلة هي دعوةٌ لرحلة داخلية، هي أدواتٌ لاستكشاف عقلك وقلبك وروحك. أسئلة عميقة للتأمل، تساعد على توضيح قيمك ورغباتك ومخاوفك ودوافعك. خذ وقتًا للتفكير فيها، واكتب إجاباتك، واسمح لنفسك بأن تكون صادقًا مع نفسك. إن معرفة الذات عملية مستمرة، وكل إجابة يمكن أن تفتح أبوابًا لاكتشافات وتحولات جديدة".
كما خصّصت في نهاية الكتاب استمارة اختبار ختاميّة، تقيس سلامة الحدود النفسية في العلاقات، مقسّمة على أربعة أجزاء يقيس كلٌّ منها بدقّة جانبًا مهمًّا من تلك الحدود، مع دليلٍ تفصيليّ لحساب الدرجات وتقييم مدى سلامة العلاقة.
يُذكر أن زوينة سالم كاتبة وقاصّة عُمانية صدرت لها عدّة إنتاجات أدبية من بينها: "الهروب من المرآة"، "إرم ذات حب"، "أنوثة حذاء"، "جنية الليل وضوء"، "أحلام سمكة الزينة"، بالإضافة إلى إنتاجات أخرى في مجالات أدب الطفل، والتربية، والتعليم. كما لها مشاركات واسعة بالندوات والفعاليات الثقافية والمعارض الدولية.

ارسال التعليق