أدفع وأقتل.. وثائق جديدة عن رحلات صيد البشر في سراييفو

 


نخيل نيوز ـ متابعة
يقدم صحفي استقصائي كرواتي في كتاب جديد، تفاصيل بشعة عن "سياحة القنص" أو "رحلات صيد البشر" التي يعتقد أنها حدثت خلال حرب البوسنة في التسعينيات، والتي تحقق السلطات الإيطالية حالياً في حقيقة حدوثها.
يأتي ذلك بعد فيلم وثائقي صدر عام 2022، بعنوان "رحلة سفاري سراييفو" تضمن مقابلات مع أفراد زعموا أنّ أثرياء أجانب من دول مختلفة - بما في ذلك إيطاليا وروسيا والولايات المتحدة وكندا وألمانيا وغيرها - دفعوا مبالغ طائلة للقناصة الصرب كي يشاركوا في قنص المدنيين من التلال المحيطة بمدينة سراييفو البوسنية أثناء حصارها.
وكان "شارع القنّاصة" في سراييفو أحد معالم الحرب الشهيرة، وموقعاً مفضلاً للمراسلين والمصورين الصحفيين.
لكنّ مزاعم تنظيم رحلات قنص وقتل قام بها أثرياء أجانب تعني مشاركة أشخاص آخرين في المسؤولية عن إراقة الدماء في هذه الحرب، لمجرد القتل، من دون دوافع سياسية أو عسكرية، ومقابل دفع المال، وفق ما ذكرت تقارير صحفية.
وقد باشرت إيطاليا أواخر العام الماضي بالتحقيق في تقارير حول أثرياء إيطاليين ذهبوا إلى سراييفو للمشاركة في رحلات القتل بعدما تقدم الصحفي والكاتب الإيطالي إيزيو غافاتزيني بشكوى رسمية إثر إجرائه أبحاثاً وجمعه أدلّة بعد مشاهدته لفيلم "رحلة سفاري سراييفو".
أمّا جديد هذه الوثائق، فهو كتاب بعنوان "ادفع واقتل" للصحفي الاستقصائي الكرواتي دوماغوج مارغيتيش، يكشف فيه عن مزاعم حول تنافس القناصين الأجانب في ما بينهم لقتل النساء الصرب، "الجميلات والحوامل".
ينقل مارغيتيش في كتابه أيضاً، شهادات حول مشاركة شخصية من عائلة ملكية أوروبية في تلك الأعمال.
وكان مارغيتيش قد اتهم في تشرين الثاني الماضي، الرئيس الصربي الحالي أيضاً، ألكسندر فوتشيتش، بتورّطه في ملف سياحة القناصين الأجانب في سراييفو، لكنّ الأخير نفى في بيان رسمي ادعاءات الصحفي.
كيف بدأت القصة؟
يقول الصحفي دوماغوج مارغيتيش في كتابه "ادفع واقتل" الذي صدر مؤخراً، إنّ القصة بدأت من كرواتيا وليس من البوسنة، وتحديداً في صيف عام 1992، خلال زيارة مجموعة من الأثرياء الإيطاليين إلى كرواتيا لممارسة الصيد البري.
ويزعم مارغيتيش أنّ رحلات الصيد هذه كانت تتم بعلم وتنسيق من جهاز المخابرات الكرواتي وأنّ الصيادين كانوا من الأجانب الأثرياء.
في ذلك الوقت، بدأ حصار سراييفو مع اندلاع حرب البوسنة والهرسك.
ورغم الاشتباكات التي بدأت عام 1991 بين القوات الكرواتية والقوات الصربية، إلا أنّ التعاون بين أجهزة استخبارات الطرفين لم يتوقف. إذ كانت القنوات المفتوحة ضرورية لتهريب النفط والسجائر والبنّ، ولتبادل السجناء، بحسب ما قاله الكاتب في مقابلة مع صحيفة التايمز البريطانية.
حقائق لم تدفن مع الضحايا
ما ارتكب خلال تلك الحرب من فظائع لم يدفن مع الضحايا، وتولت محكمة العدل الجنائية الدولية في لاهاي، التحقيقات حول جرائم الحرب في البوسنة والهرسك من عام 1993 حتى 2017.
وفي 2007، قدّم جندي أمريكي سابق في قوات مشاة البحرية، جون جوردان شهادته عن حرب البوسنة أمام المحكمة في لاهاي. وكانت تلك أولى الشهادات العلنية الموثّقة رسمياً حول انخراط أجانب في الحرب.
كان جوردان يعمل متطوعاً في مكافحة الحرائق حينها، وقال خلال شهادته إنه رأى بعينيه أشخاصاً أدرك أنهم ليسوا من السكان المحليين، يتنقلون مع مقاتلين صرب في مواقع القتال. لكنه لم يشاهد أيّاً منهم يطلق النار.
وفي الفيلم الوثائقي "سراييفو سفاري" عام 2022، أكّد رجل صربي حدوث تلك الرحلات بعد أن شارك في تنسيقها، وشهد على أعمال القنص التي قام بها سياح أجانب أثرياء، وروى تفاصيل ما شاهده وعاشه تلك الفترة للمخرج السلوفيني ميران زوبانيتش.
يقول الشاهد الرئيسي في الفيلم الوثائقي، إنّ "السياح" كانوا يدفعون مبلغاً أكبر عندما كان الأمر يتعلق بقتل الأطفال. وقال إنّ الأمر بدا وكأنّ أحدهم أصابه ضجر من قتل الحيوانات، فجاء إلى سراييفو ليجرب شيئاً آخر - صيد البشر.
ويتضمّن العمل الوثائقي شهادات ضحايا وناجين أيضاً، من بينها قصة الأب سمير شيزيتش وزوجته شتانا اللذين فقدا ابنتهما البالغة من العمر سنة وأربعة أيام، برصاصة مفاجئة من قناص، خلال يوم هادئ لم يتخلله أي اشتباك بحسب روايتهما.
وكانت التحقيقات في محكمة العدل الجنائية الدولية أكدت أنّ معظم أعمال القنص التي استهدفت مدنيين في تلك الحرب، تمت خارج أوقات الاشتباكات والقصف.
ويزعم الصحفي الإيطالي أنّ المبالغ التي دفعت من قبل الأثرياء الإيطاليين بلغت ما يعادل مئة ألف يورو في ذلك الوقت.
منافسة على القتل
تابع الصحفي الكرواتي دوماغوج مارغيتيش التحقيقات حول مزاعم رحلات القنص السياحية، وأجرى في كتابه الجديد "ادفع واقتل"، المزيد من المقابلات مع شهود عن تلك المرحلة، من بينهم عناصر من الاستخبارات الكرواتية والبوسنية.
وزعم أنّه حصل على وثائق كانت بحوزة ضابط استخبارات بوسني سابق يدعى نيدزاد أوغليان، اغتيل في أيلول 1996، بعد أشهر على انتهاء الحرب.
ويقول إنّ تلك الوثائق تذكر أنّ الأثرياء الأجانب دفعوا 80 ألف مارك ألماني حينذاك، لقتل النساء والرجال في متوسط العمر. ورفعوا الثمن إلى 95 ألف مارك مقابل قتل الشابات وإلى 110 آلاف مارك مقابل قتل النساء الحوامل.
وقال مارغيتيش لصحيفة التايمز، إنه قابل في كتابه عناصرَ من "الميليشيات البوسنية – الصربية" الذين استضافوا القناصين الأجانب.
مزاعم عن تورّط فرد من عائلة ملكية واتهامات للرئيس الصربي
ونقل مارغيتيش في كتابه شهادة رئيس وزراء كرواتيا السابق جوزب مانوليش – توفي عام 2024 – أنّ القناصين الأجانب كانوا يصلون بحراً إلى موانئ زادار وسبليت الكرواتية، ومن هناك يتم مرافقتهم إلى مدينة كنين التي كانت تحت إدارة الصرب، ويواصلون رحلتهم برفقة الصرب إلى سراييفو.
واتهم مارغيتيش في كتابه، الرئيس الصربي الحالي ألكسندر فوتشيتش بالمشاركة في مرافقة أجانب في رحلات القنص ضد مدنيين بوسنيين، لكن الأخير نفى مزاعم تورطّه في أي من تلك الأعمال خلال الحرب.
مقتل شاهد رئيسي
إلى جانب الشهادات والمقابلات، يستند كتاب الصحفي الكرواتي دوماغوج مارغيتيش إلى وثائق قديمة قال إنه حصل عليها من ندزاد أوغليان، عنصر سابق في المخابرات البوسنية، والنائب السابق لمدير ما يعرف بوكالة "التحقيق والتوثيق" في البوسنة.
وبدأت حرب البوسنة والهرسك عام 1992 بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وإجراء استفتاء على تقسيم يوغوسلافيا، واستمرت حتى نهاية عام 1995.
أخذت الحرب أبعاداً عرقية وطائفية وشارك فيها مسلمو البوسنة والصّرب والقوات الكرواتية.

اخبار ذات صلة

ارسال التعليق