«زورق خارون»: حين يصبح المسرح عبورًا مؤلمًا في ذاكرة المكان
نخيل نيوز/متابعة
محمود چلداوي / كاتب إيراني
في مساءٍ ثقافيٍّ مشحونٍ بالأسئلة والانتظار، انطلقت ابتداءً من الليلة الماضية ١٦ ديسمبر ٢٠٢٥ عروض المسرحية العربية «زورق خارون» على خشبة منتدى مهدية الثقافي في كوت عبد الله – الأهواز، في حدثٍ مسرحيٍّ يتجاوز كونه عرضًا فنيًا إلى كونه فعلًا ثقافيًا واعيًا يحاول إعادة الاعتبار للمسرح بوصفه مساحة تفكير واحتجاج جمالي. وتستمرّ عروض المسرحية لخمسة أيام متتالية، في واحدة من أبرز التجارب المسرحية العربية التي تشهدها الأهواز خلال هذا العام.
«زورق خارون» من تأليف الكاتب سالم باوي، أحد الأصوات السردية والمسرحية المنحازة للهامش والإنسان المنسيّ، ومن إخراج سيد كاظم القريشي، الذي يملك تجربة طويلة في المسرح العربي، ويُعرف باشتغاله على النص بوصفه بنية مفتوحة قابلة للتأويل، لا مادة جاهزة للتنفيذ. هذا اللقاء بين نصٍّ مشحونٍ بذاكرة المكان، وإخراجٍ واعٍ بحساسية الرمز والدلالة، أفرز عملًا مسرحيًا لا يسعى إلى الإبهار السطحي، بل إلى هزّ المتلقي من الداخل.
العنوان نفسه يضع المشاهد منذ اللحظة الأولى أمام أفقٍ رمزيٍّ كثيف. «الزورق» ليس مجرد وسيلة عبور مادية، بل هو استعارة للحياة الهشة، للنجاة المؤقتة، ولرحلة الإنسان القلقة بين ضفتين غير واضحتين. أما «خارون»، بما يحمله الاسم من شحنة ميثولوجية وتاريخية ودينية، فيستدعي صورة العبور الأخير، والمساءلة الوجودية، والوقوف على حافة المصير. من هنا، لا تقدّم المسرحية حكاية تقليدية ذات بداية ونهاية واضحتين، بل تفتح فضاءً دراميًا تتقاطع فيه الأزمنة، وتتداخل الأصوات، وتتشظّى فيه الشخصيات.
البنية الدرامية للعمل قائمة على السؤال لا على الجواب. الشخصيات في «زورق خارون» ليست نماذج نمطية، بل كائنات مأزومة، محاصَرة بالخوف، والذاكرة، والشعور بالفقد. الحوار يتنقّل بذكاء بين اللغة الشعرية المكثفة، والجملة اليومية البسيطة، ما يمنح النص حيوية خاصة، ويُبقيه قريبًا من المتلقي دون أن يفقد عمقه الفلسفي. هناك اقتصاد واضح في الكلام، يقابله اتساع في المعنى، وكأن كل جملة تُقال على الخشبة تحمل ما هو أكثر مما تُصرّح به.
إخراجيًا، اختار سيد كاظم القريشي أن يضع المتفرج داخل التجربة لا أمامها. الإيقاع محسوب بدقة، والصمت يؤدي وظيفة دلالية لا تقل أهمية عن الحوار. الانتقالات بين المشاهد تتم بسلاسة، دون قطيعة حادة، ما يمنح العرض طابع الرحلة المستمرة، رحلة زورقٍ يتأرجح فوق مياه غير مستقرة. القريشي لا يفرض قراءة واحدة للنص، بل يترك مساحة واسعة لتأويل المتلقي، وهو خيار يحسب له في زمن تميل فيه بعض العروض إلى المباشرة والخطاب الجاهز.
السينوغرافيا جاءت مقتصدة لكنها ذكية، قائمة على الإيحاء لا على التكديس. الفضاء المسرحي لا يقدّم واقعية مباشرة، بل يشتغل على التجريد الرمزي، حيث يتحوّل الضوء والظل وحركة الأجساد إلى عناصر أساسية في بناء المعنى. الإضاءة لعبت دورًا محوريًا في خلق المناخ النفسي، متنقلة بين العتمة والإنارة الخافتة، بما ينسجم مع التحولات الداخلية للشخصيات. أما الموسيقى والمؤثرات الصوتية، فكانت موظفة بوعي، دون أن تطغى على الأداء التمثيلي، بل جاءت مكمّلة له، ومعزّزة لحالة القلق والترقّب التي تهيمن على العرض.
على مستوى الأداء، قدّم الممثلون أداءً متوازنًا يعتمد على الصدق الداخلي أكثر من الاستعراض. لا مبالغة في الانفعال، ولا افتعال للحزن أو الغضب. كل شخصية تتحرك ضمن منطقها النفسي، ما جعل التفاعل بين الشخصيات مقنعًا ومؤثرًا. هذا الانسجام يعكس عملًا جماعيًا حقيقيًا داخل فرقة إشراق للمسرح، التي تؤكد من خلال هذا العرض قدرتها على تقديم أعمال جادة رغم محدودية الإمكانيات، ورغم التحديات التي يواجهها المسرح المستقل في المنطقة.
ما يضفي على «زورق خارون» قيمة إضافية هو سياقه الثقافي والاجتماعي. تقديم مسرحية عربية جادة في كوت عبد الله، واستمرار عروضها لعدة أيام، ليس أمرًا عابرًا، بل هو موقف ثقافي واضح في مواجهة التهميش، وفي مواجهة تراجع الفعل المسرحي أمام سطوة الترفيه السريع. هذا العمل يذكّر بأن المسرح لا يزال قادرًا على لعب دوره التاريخي: طرح الأسئلة، وخلق فضاء للحوار، وإعادة الاعتبار للغة العربية بوصفها لغة فن وجمال، لا مجرد أداة خطاب.
«زورق خارون» لا يدّعي تقديم حلول جاهزة، ولا يسعى إلى طمأنة المتلقي بنهايات مريحة. هو عرض يترك جرح السؤال مفتوحًا، ويدعو المشاهد إلى التفكير في علاقته بالمكان، وبالذاكرة، وبالآخر. هو زورقٌ هشّ، نعم، لكنه محمَّل بالأسئلة، وبإرادة العبور. ومع استمرار عروضه خلال الأيام المقبلة على خشبة منتدى مهدية في كوت عبد الله، تبقى الدعوة مفتوحة للجمهور الأهوازي والعربي لركوب هذا الزورق، لا بحثًا عن نجاة سهلة، بل عن تجربة مسرحية صادقة تستحق المشاهدة والتأمل.





ارسال التعليق